في الطريق من الثورة إلى الدولة نرى الشعب المصري الذي «ثار» في ثورة شعبية سلمية أبهرت العالم، هو نفسه الذي «اختار» بحرية في انتخابات برلمانية ديمقراطية أبهرت العالم، وهو نفسه الذي «احتار» الآن بعد الجولة الأولى لأول انتخابات رئاسية تعددية علنية شفافة، لكن نتائجها المفاجئة صدمت القطاع الأكبر من الشعب المصري ذاته.
وإزاء سخونة ساحة المعركة الانتخابية المصرية التي تجري سريعة وحافلة بالمفاجآت على مستويات ثلاثة، سياسية وقضائية وميدانية، بعد إعلان نتائج الجولة الأولى التي جرت بلا بلطجة ولا تزوير ولا تعتيم، ومع ما خيم بعدها من شعور بالصدمة من غرابة المفاجأة على عكس التوقعات والاستطلاعات، وبالقلق من كل الأطراف، حيث لا أحد من المرشحين يضمن الفوز بالرئاسة دون دعم القوى الثالثة، وبالحيرة لدى قطاع كبير أغلبه من الشباب، حيث لا يجد في السباق من يعبر عنه!
سألت ثلاثة من أصدقائي، لمن ستعطي صوتك في الجولة الثانية، للدكتور محمد مرسي أول رئيس لحزب إسلامي في مصر، أم للفريق أحمد شفيق آخر رئيس حكومة في عهد مبارك.. ولماذا؟
ـ أجاب الأول وهو إسلامي، للدكتور مرسي إن شاء الله، لأنه يعبر عن المشروع الإسلامي وينتمي للثورة في مواجهة الثورة المضادة.
وقال الثاني وهو ليبرالي، للفريق شفيق بالتأكيد، لأنه يمثل المشروع المدني والأقدر بخبرته على توفير الأمن والاستقرار في مواجهة الفوضى.
وقال الثالث، وهو شاب يساري شارك في الثورة، لا أعرف، نجد أنفسنا نختار بين بديلين أحلاهما مر، فكلا المرشحين لا يعبران عن الثورة، وأخاف من الأول لأنه قد يمثل استئثاراً باسم الدين، وأخشى من الثاني لأنه قد يشكل تسلطاً باسم الدولة، أنا في حيرة بين أن أصوت أو أقاطع!
هكذا فهمت أن المثلث الشعبي المصري الآن يتمثل في تيارات ثلاثة، الأول إسلامي يعرف لمن سيصوت دون تردد، والثاني ليبرالي يعرف لمن سيصوت بالتحديد، والثالث ثوري يشعر بالحيرة ولا يعرف لمن سيصوت.
وإذا كانت الأطراف الثلاثة في مأزق حقيقي إلا أن مأزق الطرف الثالث هو الأكبر والأشد وطأة خصوصا أنه الذي هتف في التحرير باندفاع «الميدان ضد العسكر والإخوان»، وهو بعد عام ونصف من الثورة يجد نفسه في خيار صعب إذ عليه أن يختار رئيسا، إما «الفريق» من العسكر وإما «الأخ» من الإخوان.
كان هذا نتيجة لما جري في ميادين الثورة من متغيرات عكستها مشاهد ثلاثة، الأول، مشهد الوحدة الوطنية والثورية في التحرير التي جمعت في يناير كل شركاء الثورة، وهي الشعب والجيش وكل التيارات السياسية والأطياف الدينية والأجيال العمرية من الشباب والنساء والرجال، توحد فيها الجميع صفا واحدا بنداء واحد «الجيش والشعب إيد واحدة» و«الشعب يريد إسقاط النظام».
والثاني، مشهد الانقسامات الثورية بين التيارات السياسية وتشرزمها إلى مئات الائتلافات والحركات، والتي جمعها الميدان وفرقتها اختلاف الشعارات والتوجهات والأجندات السياسية لكل قبلة هو موليها، وبدء نوع من الفرز السياسي يبرز على السطح مع كل جمعة وكل مليونية، وادعى كل طرف أنه الثوري الحقيقي واتهم غيره باللاثورية، وأظهرت الشعارات المختلفة اختلاف الجمع ما بين ديني وعلماني وثوري وفوضوي.
والثالث، حالة الاستقطاب الحاد بين شركاء الثورة الإسلاميين والعلمانيين من جهة، وبين المدنيين والعسكريين من جهة أخرى، وبدأت مع أول استفتاء طرحه المجلس الأعلى للقوات المسلحة حول التعديلات الدستورية، والذي قالت فيه التيارات الإسلامية والتقليدية «نعم» بنسبة 77%، فكانت الغالبية، والليبرالية واليسارية «لا» بنسبة «23%» فكانت الأقلية التي استنفرت ضد الإسلاميين والعسكريين أو «ضد العسكر والإخوان».
ومع كل موقف أو خيار لاستكمال الطريق من الثورة إلى الدولة، والفجوة تتسع ورصيد الثقة المتبادلة يتآكل والخلافات تزيد بين القوى الثلاث، الاسلاميين والعسكريين والمتظاهرين الذين هم في الأصل شركاء الثورة، وبدأت الأمور تتجه بالمزايدات السياسية والمراهقة الثورية والأخطاء العسكرية إلى نوع من الصدام الدامي والاضرابات الفئوية والسجالات السياسية، حتى وصلنا بالرغم من حالة الاضطراب الأمني والتراجع الاقتصادي إلى الإنجاز الأول للإدارة العسكرية وهي الانتخابات البرلمانية التي جرت بكل حرية وشفافية.
ولما كانت الدولة تقوم على سلطات ثلاث هي التنفيذية والتشريعية والقضائية، وكانت التنفيذية في يد الجيش، والتشريعية في يد الإسلاميين، فلقد زادت الفجوة بتنازع الشرعية بين «ثوار الميدان»، و«نواب البرلمان»، وبين ثوار الميدان والمجلس الأعلى للجيش، تحت ظنون الصفقة بين الإسلاميين والعسكريين على حساب القوى السياسية والثورية الأخرى مما زاد الاحتقان، لكن ما بدا صفقة انقلب فجأة إلى تصعيد في المواجهة بين الإخوان، والحكومة والمجلس العسكري، بسبب إصرار الإخوان على رئاسة حكومة جديدة على غير أساس دستوري.
حتى جاء الإنجاز الثالث بالانتخابات الرئاسية بجولتها الأخيرة بعد أسبوعين وسط هذا السجال والجدال والشجار الدائر سياسيا وقانونيا وميدانيا الذي نتابعه هذه الأيام والذي يتطلب الحرص على سلمية ودستورية وقانونية التحول إلى الديمقراطية، فلا ثورة بلا دولة ولا دولة بلا دستور ولا قانون، ولا ديمقراطية بلا احترام للإرادة الشعبية وبلا احترام لسيادة القانون، باعتبارها الوسيلة الأكثر جدوى لإدارة الاختلاف سياسيا، والأقل كلفة لحل مشكلة الصراع على السلطة سلميا. لتبقى «حسبة بيرما» بكل المثلثات لا حل لها إلا بتنظيم التيار الشعبي الثالث، والاختيار بكل الحرية، وبحوار سياسي بين كل شركاء الثورة وإعلان مبادئ وطني يوقع عليه الجميع يعيد روح الشراكة الوطنية، وبتشكيل مجلس رئاسي ومجلس وزراء جامع لكل القادرين الأمناء الساعين لخدمة الوطن، في ظل دولة ديمقراطية دستورية عادلة!!