على الرغم من تعرض أجواء العراق بشكل مستمر في السنوات الأخيرة، إلى عواصف غبارية تستدعي الدراسة والتخطيط لمنع حدوثها أو الحد من تأثيراتها المدمرة على الاقتصاد وعلى الصحة العامة .
وعلى جوانب الحياة الأخرى، إلا أنه من ناحية ثانية، يخيم على أجوائه السياسية ما هو أشد خطرا من ذلك بكثير؛ أزمة كبيرة يرافقها قلق وشكوك حول قدرة القيادات السياسية وصفاء نواياها في التعامل مع هذه الأزمة بروحية الولاء للعراق كله وليس لجزء من أرضه، وانتصارا لأهله جميعاً وليس لبعضهم، وانحيازا كليا لتاريخه وليس لبعض موروثات هذا التاريخ.
الكلمة التي ألقاها الرئيس العراقي في الحفل التأبيني للسيد محمد باقر الحكيم في السادس والعشرين من مايو المنصرم، عبرت على غير ما هو معتاد، عن يأس وقلة حيلة في مواجهة الأحداث. فالاجتماع الوطني الذي دعا إليه مرارا، قد أصبح خارج اهتمام الكتل السياسية المعارضة لاستمرار المالكي في منصبه.
فهذه الكتل قد استعاضت عنه باجتماعات أخرى عقدت في إربيل ثم في النجف ثم في إربيل ثانية، بأطر وأهداف مختلفة تبحث عن آليات إنهاء العلاقات مع رئيس الوزراء لا إلى إعادة ترميمها، فالمرونة في المواقف قد تجاوزت منتهاها، والأبواب أصبحت شبه موصدة.
والحقيقة أن خطورة الوضع لم تغب عن أعين وآذان الولايات المتحدة التي ترقب الأحداث بدقة، فقد صرح السفير الأميركي في بغداد، الذي يجري اتصالات مع معظم الأطراف، بأن الولايات المتحدة ترى أن "الخطورة التي تحدق بالبلاد تتمثل في احتمالية فشل الساسة العراقيين في حل الأزمة الراهنة".
أوساط واسعة داخل العراق وخارجه، تتابع ما يجري من أحداث ساخنة في ساحاته قد يترتب عليها ظهور تحالفات جديدة تعيد رسم الخارطة السياسية في العراق وتخلق فيها مراكز قوى جديدة. فقد مضى أكثر من شهر منذ دخلت الأزمة العراقية طورا جديدا متفجرا؛ لقاءات القيادات السياسية، واجتماعات مكثفة تجريها كل كتلة على حدة.
ولقاءات جانبية ثنائية ظهر بعضها أمام وسائل الإعلام وبقي غيرها بعيدا عن أضوائه. كل ذلك يتمحور حول قضية تؤرق هذه الكتل، وهي قضية الديمقراطية في العراق، والرفض التام لقيام دكتاتورية جديدة فيه حتى لو جاءت بها الشرعية الدستورية.
القيادات السياسية منقسمة بين متحمس للذهاب إلى نهاية الشوط في سحب الثقة عن رئيس الوزراء وإبداله بغيره، وبين مصر على إبقائه حتى نهاية الدورة الرئاسية الحالية، وبين متردد يدعو للتهدئة والحوار واعتماد حلول وسطية توافقية. وهناك خلف الكواليس جهود حثيثة، إقليمية ودولية، تبذل وضغوط تسلط لإنجاح أحد التوجهين. وفي معظم ما يدور على المسرح السياسي، هناك غياب لغير قادة التنظيمات والكتل السياسية، فما يجري في تلك اللقاءات هو ما يريده القادة، ومن يتعرض للضغوط هم القادة أنفسهم.
ورغم جهامة المشهد السياسي، إلا أن هناك فسحة ضئيلة تدعو للتفاؤل الحذر في محورين مهمين، أولهما أن القيادات السياسية التي التقت في إربيل أولاً ثم في النجف ثم في إربيل مجددا، قد حررت نفسها، إلى حد ما، من أسر الانتماء الضيق للعرق أو للمذهب أمام قضية كبيرة تتعلق بأسلوب إدارة الدولة العراقية. وثانيهما أن قبضة هذه القيادات أصبحت أوهن من ذي قبل في السيطرة على كتلها.
وأن النواب أصبحوا أكثر حرية في الاعتراض على قياداتهم والتعبير عن وجهات نظرهم الخاصة، فهناك ما يشير إلى أن بعض نواب الكتلة العراقية ليسوا مع سحب الثقة عن المالكي، كما أن بعض نواب كتلة دولة القانون هم مع سحب الثقة، وهذه في الحقيقة ظاهرة إيجابية بدأت تظهر في أوساط المجلس النيابي.
ولكن الكتل السياسية ليست وحدها من يصنع الأحداث أو يؤثر على مسارات ما هو قائم منها، فهناك من يسعى لخلط الأوراق ويعيد إثارة الفتن الطائفية التي تمكن العراقيون بوعيهم الغريزي، على مستوى الشارع، من تجاوزها. فقد ترافق مع تصاعد حدة الأزمة، عدد من الأحداث ذات صلة بالشحن الطائفي في بعض المدن العراقية، اتخذت طابع تفجيرات إجرامية نالت المدنيين في مناطق محددة من تلك المدن.
ما يجري حتى الآن، رغم خطورته، ظاهرة صحية في الأطر الديمقراطية، إلا أن ما يدعو للقلق حقا هو أن يعمد بعض القيادات للجوء إلى ممارسات لا تتفق مع ذلك، وقد لوحظت بوادر ذلك في خروج التظاهرات في العاصمة تأييدا لموقف رئيس الوزراء.
إن تصدير الأزمات إلى الشارع لا يساعد على حلها، ولا يسهم في تأجيل انفجارها، بل قد يعقد ما هو معقد أصلا ويجعل حلوله أكثر صعوبة. فلماذا تزج الأحزاب التي لها صوت مرتفع في مجلس النواب، بالجمهور للتظاهر في هذا الظرف الحساس، الذي لا يستبعد أن تؤدي التظاهرات في أجوائه شديدة التوتر إلى صدامات دموية، بسبب انتشار السلاح من جهة وسيادة ثقافة الاستهانة بالدم العراقي من جهة أخرى.
التظاهرات وتحشيد الجمهور خلف شعارات معينة، واختيار المكان والزمان لانطلاقها، إجراءات تلجأ إليها القوى السياسية التي ليس لها ممثلون في البرلمان لإسماع أصواتها وتسليط الضغط على الجهات المسؤولة، وهو ما لا ينطبق على جميع الكتل السياسية المشاركة في العملية السياسية.
القيادات السياسية في العراق مطالبة قبل أي شيء آخر في هذه الفترة الحرجة، باللجوء إلى نصوص الدستور وآلياته لحسم صراعاتها والابتعاد عن جعل توافقاتها بديلاً عنه. كما نأمل أن لا يصار الأخذ بخيار زج الشارع في حسم هذه الصراعات، والكف عن إلحاق المزيد من الضرر بالرموز الدينية، التي وُظفت على مدى السنوات المنصرمة لتزكية أجندة هزيلة رثة أمام الناس البسطاء الذين لا يزال بعضهم ضحية هؤلاء.
العراق يشهد لأول مرة اختبارا حقيقيا للتجربة الديمقراطية، فهل ستنجح القيادات في اجتيازه بأمان؟