من المعروف أن منظمة التعاون الإسلامي التي ظهرت إلى الوجود في أواخر ستينات القرن الماضي، تعد ثاني أكبر تجمع دولي للدول بعد منظمة الأمم المتحدة، فتحت مظلتها تنضوي 57 دولة متنوعة من حيث الموقع الجغرافي وحجم السكان ومستوى التنمية الاقتصادية. وغالباً ما يُعقِّد هذا التنوع التوفيق بين تطلعات الدول الأعضاء في المنظمة، بيد أن الحاجة إلى توحيد الشعوب الإسلامية تبقى جلية، وتتغلب على كافة الصعوبات التي تواجهها منظمة التعاون الإسلامي.

إن التغيير الذي جرى في عام 2011 على اسم المنظمة، منظمة المؤتمر الإسلامي الذي حملته منذ 40 عاماً تقريباً، إلى منظمة التعاون الإسلامي، أظهر إرادة هذه المنظمة للتحديث والتجديد. وجرى هذا الحدث التاريخي في اجتماع مجلس وزراء الخارجية الذي عقد في أواخر شهر شهر يونيو عام 2011 في أستانا عاصمة جمهورية كازاخستان، ذلك البلد النامي بشكل حيوي في آسيا الوسطى. وحالياً هذا البلد هو أيضاً رئيس لمنظمة التعاون الإسلامي، ومنذ بداية رئاستها أثبتت كازاخستان نضج قيادتها لمنظمة التعاون الإسلامي.

في هذا السياق يمكننا أن نرى الدليل على سعي منظمة التعاون الإسلامي لاجتذاب البلدان الفتية، ولكن الطموحة لتفعيل المنظمة، مما يمكن المنظمة من الحفاظ على ديناميتها وتجديد نظرتها إلى التحديات العميقة التي تواجهها منظمة التعاون الإسلامي.

ومثل هذه النظرة الجديدة والمبتكرة، أثبتتها كازاخستان عندما طرح هذا البلد عدة أفكار بالغة الأهمية في ما يتعلق بتلبية الاحتياجات الملحَّة للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي. على سبيل المثال، إن فكرة فتح مكتب لمنظمة التعاون الإسلامي لشؤون الأمن الغذائي مماثل لصندوق منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، إذا ما تم تنفيذها، فإنها تعد خطوة كبيرة إلى الأمام في توفير الأمن الغذائي في جميع أنحاء المنطقة الشاسعة لمنظمة التعاون الإسلامي.

وثمة خطوة أخرى نحو جعل منظمة التعاون الإسلامي أكثر قدرة على المنافسة في السياسة العالمية، تتمثل في اعتماد خطة العمل الخمسية لمنظمة التعاون الإسلامي في مجال التعاون مع آسيا الوسطى، التاي أقرت في عام 2011. وكانت هذه الخطة قد اعتمدت أيضاً في الاجتماع الأخير لمجلس وزراء خارجية بلدان منظمة التعاون الإسلامي في أستانا.

من الصعب اليوم إنكار الأهمية المتزايدة لمنطقة آسيا الوسطى في السياسة الدولية، وأن «اللعبة الكبرى» للقوى العظمى التي بدأت هنا في القرن التاسع عشر، يتم اليوم تكرارها مرة أخرى، مع إشراك المزيد من اللاعبين.

لكن الهوية الإسلامية لمجتمعات آسيا الوسطى باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الأمة الإسلامية، تعطي الفرصة لمنظمة التعاون الإسلامي لتكريس هذه الهوية لتعاون أكبر مع بلدان آسيا الوسطى. والتجسيد الآخر لرغبة منظمة التعاون الإسلامي في القيام بذلك، مثلته رئاسة طاجيكستان، التي ترأست المنظمة قبل تولي كازاخستان رئاستها. وتثبت الرئاستان المتواليتان لبلدين من آسيا الوسطى لمنظمة التعاون الإسلامي، الاهتمام المتزايد بهذه المنطقة.

بشكل عام، تبدي منظمة التعاون الإسلامي حالياً، درجة عالية من النشاط في حل المشاكل التي تنشأ في مختلف أنحاء منطقة عضويتها. ويسير هذا النشاط بخطوات ملموسة، فالمساعدة المالية والإنسانية لضحايا الجفاف في الصومال، والدراسة الوافية للأوضاع السياسية الخطيرة في سوريا، والرغبة المتزايدة لمعالجة مشاكل حقوق الإنسان داخل الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي، وغيرها العديد من الخطوات المماثلة الأخرى، تظهر رغبة المنظمة في تجديد نفسها ولعب دور أكثر أهمية في الأجندة السياسة العالمية.

بالتأكيد، يبقى هناك الشيء الكثير الذي يتعين القيام به على هذا الطريق من التجديد، ولكن هناك أيضاً مؤشرات على أن هذه المهمة الصعبة يمكن أن تنجز بنجاح. ولعل أحد السبل للقيام بذلك، يتمثل في دمج الخبرة الطويلة لمنظمة التعاون الإسلامي، مع ديناميكية وطاقة وطموحات البلدان الأعضاء فيها.