لا تزال في مخيلتنا وربما في مخيلة الكثيرين من أبناء جيلنا، صورة المعلم المربي ماثلة لا تفارق الكثير من ذكريات طفولتنا، حتى لتكاد تتقاطع مع مجمل حوادث نشأتنا وصبانا، بل حتى وشبابنا، ليمثّل فيها الأستاذ قاسماً مشتركاً تدور حوله معاني الإخلاص والنزاهة والقدوة والمثل الأعلى في جميع الأمور، بل إننا نحتفظ في جعبة الذاكرة بقصص منقوشة بقوة، لمدرسين ومدرسات أثروا في بناء شخصياتنا ربما أكثر من آبائنا وأمهاتنا.

هذه الصورة الراقية للمعلم المربي، كانت تنسحب على جميع المعلمين بلا استثناء، ولم نكن نتخيل أن يأتي اليوم الذي تنفصم فيه العروة المتينة بين التعليم والتربية، ليصبح من المحتمل أن نرى معلماً يلقن تلامذته أو طلابه العلم بلسان مقاله، ويحطم شخصياتهم بلسان حاله، ويحقن عقولهم بمعادلات العلوم وأساسيات الأفكار، لينسف من شخصياتهم معاني الأصالة والتربية، بتصرفات لا تُنتظر من غير الأسوياء، فضلاً عن المعلمين تحت مظلة وزارة التربية.

الصورة مأساوية جداً حين تصل الحالة إلى هذا المستوى من التراجع، وحين نسمع عن معلمة تلج إلى صفوف طلبتها وقد أثقل رأسها السكر ولعب فيه الخمر، وحين نقرأ عن معلم يمرر صورته العارية إلى طلابه "بطريق الخطأ"، وكأن من الصواب والمنطقي والاعتدال الأخلاقي أن يصور المرء نفسه عارياً، فضلاً عن المعلم! ومن أعطاه الحق ليحصل على رقم هاتف أحد طلابه ليتواصل معه مباشرة من دون معرفة ولي الأمر؟!

فمن كان يظن في يوم من الأيام أن المعلم، الذي كاد أن يكون "رسولاً" لما يحمله من التربية والتزكية والمعرفة في صفوف الأجيال، يتحول إلى مصدر رعب ومفتاح انحراف للأجيال، نتيجة الخواء التربوي الجاثم على سلوكه والذي لم ولن تفلح في تقويمه آلاف الشهادات التي يحملها.

نعم، هذه هي صور المعلم التي نعرفها ولا نتخيل سواها، ولا يمكن أن نرضى بأن تندرج تصرفات أي معلم تسيء للطلبة ضمن بند الحرية الشخصية، لأن من نذر نفسه للتعليم لا بد أن يُقدم جرعات العلوم بملعقة السلوك والأخلاق.

والحقيقة أننا نبارك جهود وزارة التربية والتعليم، التي سارعت إلى وضع حد لأمثال هؤلاء المتسيبين، بأن ألقت بشهادات من أساء في وجهه ورمته معها إلى خارج البيت التربوي العريق، لأنها لا تقبل بأمثال هذه القدوات أمام أبنائنا.

لكن يحق لنا أن نخاف ونتساءل؛ ما الذي يحدث بين جدران صفوف مدارسنا؟ وهل حقاً أطفالنا وشبابنا بأمان من معلميهم؟ ولا أقصد الخوف من الاعتداء المباشر وإن كان هذا ليس بعيداً هذه الأيام، بل الذي أعنيه هاهنا التسميم غير المباشر لسلوك الطلبة، بجرعات اللاأخلاق التي يحملها بعض المدرسين.

لقد قلناها وقالها جميع المعنيين بالشأن العام؛ إن أعظم رسالة أخلاقية تصل إليك من تسمية هذه الوزارة، هي رسالة مقصودة بلا أدنى شك تؤمن أن تقويم السلوك مفتاح النجاح المجتمعي، وأن التربية هي العمود الفقري للإنسان، ثم يأتي العلم الذي يكسو العظام لحماً وزينة وجمالاً.

ولا ندري إلى أين ستصل بنا الأمور إن ترك حبل أمثال هؤلاء المعلمين على غواربهم، ما دام هناك الكثير من الطلبة لا يجرؤون على البوح بما يحدث داخل أسوار المدرسة، وربما يخافون من تكذيب المجتمع لهم، أو أنهم لم يتعلموا النظر بعين النقد لتصرفات المعلمين، فتنمو أمثال هذه الحوادث بصمت ونفاجأ أخيراً بأن كثيراً من أبنائنا بشهادات علمية عديدة، ولكن يفتقرون إلى حسن السلوك، ويحفظون عن معلميهم الكثير من قصص التسيب واللامبالاة بحيث يكونون لهم القدوة السيئة بامتياز.

ويحق لنا أن نسأل أيضاً؛ هل أصبح المعلمون بحاجة إلى مربين يؤهلونهم لممارسة دور النموذج، لاسيما في المدارس التأسيسية حتى لا تغرس أشواكاً يصعب اقتلاعها بعد فوات الأوان؟

ومع ذلك نؤكد على الأسر أن تعزز في نفوس أبنائها القدرة على النقد والنظر بموضوعية إلى تصرفات الآخرين، وأن نقترب منهم أكثر ليفكروا معنا بصوت عالٍ حتى لا تبقى الأفكار التي يستقبلونها حبيسة تحليلاتهم الغضة، فربما يتم إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ريثما نطمئن إلى عدم تكرار قصص المعلمين المغامرين بثياب السباحة أو زجاجات الخمر..

ولا ندري ماذا يحمل مستقبل العملية التعليمية التي ننفق عليها الملايين لجلب نُخب المعلمين والمعلمات وأرقى المناهج المتخصصة فيها، ليقوم معلم مستهتر بتضييع شبابنا وضربهم في صميم تربيتهم.