احتفل لبنان في 25 مايو/ أيار 2012 بالذكرى الثانية عشرة لأول انتصار عربي أنجزته المقاومة اللبنانية على الجيش الإسرائيلي، الذي خرج مهزوما من جنوب لبنان. فغادر آخر جندي إسرائيلي في الخامس والعشرين من أيار عام 2000، واعتبر رسميا عيدا وطنيا.

لقد تحررت جميع الأراضي اللبنانية التي خضعت للاحتلال الإسرائيلي وقاربت نصف مساحة لبنان، وضمت العاصمة بيروت عام 1982. وبقيت مزارع شبعا، وتلال كفر شوبا، وبلدة الغجر، موضع نقاش عبر الأمم المتحدة.

خرجت إسرائيل من لبنان مهزومة، ومن دون قيد أو شرط، بعد احتلال دام اثنين وعشرين عاما لم تستطع خلالها فرض اتفاقية صلح على الحكومة اللبنانية. وأعلن رئيس وزراء لبنان في تلك الفترة، الدكتور سليم الحص، ذلك اليوم عيدا وطنيا للمقاومة والتحرير.

وما زال لبنان وطن المفارقات التاريخية الرائعة، فهو من أصغر بلاد العرب من حيث المساحة والسكان، لكنه الوحيد الذي دحر الاحتلال الإسرائيلي وحرر أراضيه بالقوة العسكرية، دون أن يقدم أية تنازلات أو ترتيبات أمنية. في العام 2000، بدا عيد المقاومة والتحرير عيدا جامعا، بكل مقاييس الوطنية اللبنانية والقومية العربية.

 فهو انتصار وحيد حققه بلد عربي صغير، على أكبر جيش في الشرق الأوسط. وليس من شطط في القول إن الهروب المذل للجيش الإسرائيلي، كان دافعا لتجديد العدوان على لبنان في يوليو/ تموز 2006، الذي حاولت من خلاله إسرائيل استرجاع هيبتها وصورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.

ورغم فداحة الدمار الذي لحق بالبنى التحتية اللبنانية، لم تستطع إسرائيل الانتقام لهزيمتها السابقة. فقد فشلت أمام الصمود الأسطوري للبنانيين وتمسكهم بأرضهم، والدفاع عن وطنهم بصلابة، في ظل تدمير إسرائيلي مبرمج ودموي طوال ثلاثة وثلاثين يوما من القصف المتواصل. ففشلت خطة إسرائيل في الانتقام، وخرجت المقاومة اللبنانية أكثر منعة وإصرارا على التصدي والمواجهة مهما بلغت التضحيات.

لكن الاحتفال بذكرى المقاومة والتحرير في 2012، كان هزيلا للغاية. وفي حين وضع بعض الصحف اللبنانية شعار العيد على صدر صفحتها الأولى، تجاهلت صحف أخرى هذه المناسبة ولم تشر إليها حتى في صفحاتها الداخلية. فالذكرى هذا العام تزامنت مع مناخ من الانقسام والتباعد السياسيين، رافقته فتن مذهبية في معظم المناطق اللبنانية.

يجسد 25 أيار 2000 نقطة تحول جذرية في تاريخ لبنان المعاصر، لأنه عبر عن قدرة اللبنانيين على حماية وطنهم بكل الوسائل المتاحة، وإنزال هزيمة موصوفة بالجيش الإسرائيلي وفضح أسطورة تفوقه العسكري. لكن الخلافات الطائفية والمذهبية أفقدت هذا الانتصار بريقه، فلم تتضافر الجهود الوطنية لتثميره، وبدأ التشكيك بهذا الحدث التاريخي منذ اليوم الأول لإنجازه.

وفي ذكرى المقاومة والتحرير برزت فتن مذهبية متنقلة، وانفلات أمني، وشلل حكومي فاضح، واستهداف للجيش اللبناني، مع التشكيك في وطنيته والدعوة إلى تشكيل "جيش لبنان الحر"، وتطاول على المقاومة بلغ حد التآمر عليها لتجريدها من سلاحها، وضرب مكامن القوة والمناعة التي تحمي لبنان واللبنانيين.

في المقابل، تبلورت مواقف سياسية هامة في هذه المناسبة، لعل أبرزها:

أ- أعلن رئيس الجمهورية اللبنانية، العماد ميشال سليمان، في حوار إعلامي، رغبته في الدعوة إلى حوار وطني جامع، لوضع استراتيجية دفاعية يكون هدفها الاستفادة من سلاح المقاومة وتحديد كيفية استخدامه، وتنفيذ قرارات الحوار السابقة لناحية نزع السلاح خارج المخيمات وتنظيمه داخلها، ونزع السلاح المنتشر في جميع المدن والبلدات اللبنانية.

ب- أعلنت قوى المعارضة أنها ستتوجه قريبا إلى رئيس الجمهورية بمبادرة وطنية هدفها التصدي للمؤامرة على لبنان، وأبرز بنودها: تمسك اللبنانيين بمشروع الدولة والمؤسسات الشرعية وبميثاق الطائف والدستور، وتشكيل حكومة إنقاذية حيادية، واستكمال الحوار الوطني بشأن كل السلاح الخارج عن سلاح القوى الشرعية النظامية في لبنان، والتأكيد على دور الجيش اللبناني بصفته المؤسسة الضامنة للوحدة الوطنية، وإبعاد لبنان عن سياسة المحاور الإقليمية والدولية.

المشهد الراهن على الساحة اللبنانية، ينذر بمخاطر تأجيج الصراع الطائفي والمذهبي لمحاصرة المقاومة الوطنية وشل قدرتها على الصمود والمواجهة. ويساهم التحرك الدولي والإقليمي والعربي في إطالة حالة الاستنزاف في سوريا، ومحاولة إغراق لبنان في نزاعات داخلية لا يستفيد منها سوى إسرائيل ودعاة مشروع الشرق الأوسط الجديد

. وأبدت فرنسا في عهد الرئيس الجديد فرنسوا هولاند، قلقها من انتقال عدوى الصراع من سوريا إلى لبنان، وتخوفت من تصعيد التوتر الداخلي في لبنان. وفرنسا تربطها بلبنان علاقات تاريخية قديمة، وتعلن وقوفها إلى جانبه للحفاظ على السلم الأهلي وتخفيف الاحتقان.

وهي على قناعة راسخة بأن استمرار الصراع في سوريا يقود حتما إلى زعزعة الاستقرار في لبنان، لأن النظام السوري المحاصر إقليميا ودوليا، سيستخدم الساحة اللبنانية لتوجيه رسائله إلى المجتمع الدولي والإقليمي، وإعطاء النزاع الداخلي صبغة طائفية ذات أبعاد إقليمية تهدد منطقة الشرق الأوسط بأكملها. ورغم وضعها الداخلي المأزوم، ما زالت السلطات السورية قوية، وثمة اعتقاد راسخ لدى المعارضة اللبنانية والدول العربية المساندة لها، بقدرة النظام السوري على تفجير الوضع في لبنان.

وبعد اثني عشر عاما على التحرير، ما زال قادة إسرائيل يطلقون تهديدات متكررة بمهاجمة لبنان، ويطلقون خطبا نارية عبر وسائل الإعلام، تحذر من بقاء سلاح المقاومة اللبنانية وتطالب بتدميره الفوري. وبعد إنجاز التحرير أدركت إسرائيل حدود قوتها العسكرية، وحصل ما يشبه الانقلاب الجذري في وعي الإسرائيليين، بعد انهيار أسطورة جيشهم الذي لا يقهر.

ختاما، لم يحسن الجانب اللبناني توظيف ذلك الإنجاز التاريخي لبناء دولة ديمقراطية سليمة، ترتقي باللبنانيين من مرتبة رعايا الطوائف إلى مواطنين أحرار في دولة عصرية تساوي بين مواطنيها في الحقوق والواجبات، وتحصن المجتمع اللبناني من الفتن الطائفية والمذهبية، وتحافظ على وحدة لبنان واستقلاله وسيادته من التدخلات الإقليمية والدولية.

فكان إنجاز التحرير عملا بطوليا بسبب التضحيات البشرية والاقتصادية التي قدمها الشعب اللبناني طوال اثنين وعشرين عاما من المقاومة، لكن فساد الطبقة السياسية في لبنان والعالم العربي، يعرض اليوم ذلك الإنجاز للخطر الشديد مع تزايد مشاريع الفتنة الطائفية والمذهبية.