في اللحظة التي يلتقي فيها الدين بالأيديولوجيا، نجدنا أمام مشهد مثير يظهر فيه الدين على صورة حادث تاريخي، وقد اتخذ لنفسه لوناً ولغة وثقافة بعدما تحيَّز في جغرافيته الحضارية. وفي هذه الحال، سوف يستوي الكلام على الدين والإيديولوجيا تحت عناوين إدماجية من قبيل: «إيديولوجيا دينية» حيناً، أو «تديُّن إيديولوجي» حيناً آخر، أو غالباً ما يظهر عن طريق السؤال الشائع: لماذا وكيف وضمن أي شروط يتحول الدين إلى إيديولوجيا؟

لا تنفصل الإيديولوجيا عن فضاء العمل الديني، فهي تقيم معه في مسكن واحد. ذلك أنها ستأخذ منه ويأخذ منها، كلٌ بمقدار، ضمن حقل فسيح من التفاعل، والاختبار، والمعاينة. أمرٌ ينجلي بوضوح، عبر الممارسة التي يخوضها الفاعل الإيديولوجي، أي المتدّين الذي مضى إلى ممارسة زمنه الديني، ليظهر أحواله إثرئذٍ على ثلاثة:

- حالُ من يبتغي لدينه حقَّانية الحضور والقيومية بوصفه الصراط المستقيم.. وحال من أخذ سبيل الاعتدال والوسطية، فلا يقيم الحد على من هو من غير أهله.. وثالثاً حال من يمضي إلى فَهْمِ دينه على مبدأ تعدّدية السبل إلى الله، كأنْ يرى أن الخلاص أو النجاة متاحٌ لكل إنسان أنى كانت الشريعة التي يلتزمها في فضاء التوحيد.

وأياً يكن السبيل الذي يتخذه المتديِّن، سواء كان فرداً أم جماعة، فما يفعله هو أنه في تَدَيُّنهِ إنما يختبر فَهْمَهُ وطريقَته، ومنظومَته الإيديولوجية.

ضمن هذه الثلاثية يتَّحِدُ الدين بالإيديولوجيا. وها هو يظهر اليوم بقوة عبر مقاصد الناس وحراكهم، أفراداً أو مجموعات، ومعها سوف نتحول إلى طور آخر شديد الالتباس والغموض، طور لا يعود فيه الدين مجرد إيمان متسامٍ بعدما حلّ في أزمنة الناس ومطارحهم. وفي المقابل لا تعود الإيديولوجيا في هذا الطور مجرد حالة ذهنية افتراضية من دون جسد ينمو، ويضج، ويفعل، وينفعل.

في هذا الطور أيضاً لا يعود الدين، بما هو دين، حاضراً إلاّ في النص، أي في فضاء المقدس الذي يعلن عن نفسه بكلمات الوحي. غير أن النص الذي تصوّره البعض صامتاً، لا يفتأ حتى يغادر صَمْتَه في اللحظة التي يحلّ فيها على الزمن البشري، حيث يروح الناس يسائلونه، ويبحثون فيه عما يتوقعونه منه. فالنص الصامت يتكلم بالواسطة، على ما يقول هؤلاء. بحيث يبقى المقدس واحداً في ذاته، لكنه يتكاثّر ويتعَّدد ويتنوَّع، بحسب كل تفسير يُقبل عليه؛ إمّا ليتخذه سبيلاً إلى النجاة، أو ليسائله على سبيل التعرُّف والاستقراء.

ومع التفسير الذي هو عملية استنطاق بشري للنص الإلهي، يَستهل السَفَرُ الإيديولوجي. وعند هذا المنعطف يروح المفسِّرُ يلقي ظلاله القدسية على كلامه الخاص. إنه يواصل مهمته من دون رقيب، بل هو في الغالب من يتولى مراقبة نفسه. ولأنه يتعامل مع مقدس بقصد إنتاج معارف تسدّد أفهام الناس، فهو على يقين من أن ما ينتجه، هو سليل المقدس إيّاه. هاهنا ينتقل الدين من طور كونه نصَّاً ساكناً، صامتاً، ليتحوّل إلى ظهور متحرك وحاكٍ، وسيّال في الزمن البشري. أي أنه أصبح بالتفسير وطرائق الفَهْمِ المتعدد، معرفة دينية.

وهذه المعرفة هي حصيلة تفاعل بين المتكلم الديني، والنصوص الدينية. وخلافاً للدين بما هو وحي إلهي، فإن المعرفة الدينية مستنتجٌ بشري، لديها جميع العلاقات والصفات البشرية. أي أن منشأ وحراك تلك المعرفة، بشريٌ وليس وحياً، وأن تطورها تدريجي، وهي تثير الخصومات، وتحتمل الظن واليقين، كما تحتاج باستمرار إلى التنسيق والتنظيم والنقد. وهي كذلك على تقدم وتراجع مستمرين تاريخياً، كما تتضمن القوة والضعف، والاضطراب والصفاء، والصواب والخطأ.

جرّاء هذه السيْريَّة، يبرز في ساحة المعرفة الدينية كثير من المفكرين والمجدّدين والإحيائيين والمصلحين، وكل منهم ينشئ معرفته بحسب نصيبه من علوم العصر ومعارفه، وأيضاً من مدى اهتمامه بالمشكلات الخارجية، والقيمة التي يوليها لأركان الشريعة وأصولها المتنوعة، ثم يمضي ليقرأها على نحوه الخاص، ثم ليكسو جسدها بثوب آخر، ومادتها بصورة جديدة.

ربّما لهذا ميّز العلماء بين الدين والمعرفة الدينية. وقد جرى ذلك في الغالب، على قاعدة علمية معاصرة قوامها: «أن كل نظرية إبستمولوجية واقعية تقرر التمييز بين الشيء وبين العلم بالشيء».

وعلى النحو إيَّاه، فإن المعرفة الدينية - بحسب عدد من المفكرين المسلمين المعاصرين هي جهد إنساني لفهم الشريعة، وأما الشريعة الخالصة - بالنسبة إلى أصحاب هذه الرؤية - فلا وجود لها إلا لدى المشرِّع الواحد الأحد.

إنّ هذا التمييز بين الدين وفهم الدين، سوف يفضي إلى إقامة المعرفة الدينية التي ينتجها الفقهاء والدعاة، في الغالب، على صفة كونها المعادل المنطقي للإيديولوجي. وبهذا تكون الإيديولوجيا بالنسبة إلى النص الديني التأسيسي، معرفة دينية من الدرجة الأولى، لكون مهمتها تفسير، وتأويل، وإعادة إنتاج الأفهام المطلوبة للنص المؤسِّس.

في النتيجة، تصبح الإيديولوجيا الدينية أقرب إلى اعتبارها «ديناً» من الدرجة الثانية؛ بل أحياناً يجري التعامل معها كشريعة كاملة، وإن لم تظهر إلى العلن بخطاب صريح. ذلك ما أسَّس له مفكرون، وفقهاء، ومتكلمون معاصرون وغير معاصرين، عندما حجبوا العلامات الفارقة بين الدين والفكر الديني.

هكذا تكتسب الإيديولوجيا الدينية، أو التديُّن الإيديولوجي، الصفات إيَّاها، لا سيما منها ما يظهر كصفات مشتركة تتفاعل بقوة على أرض التجربة التاريخية. لذلك سنرى أن الإيديولوجيا تقابل جملة مفاتيح معرفية يتداولها الفكر الإسلامي، كمفهوم الدعوة وعلم الكلام، وفي الفكر الديني المسيحي، كالتبشير وعلم اللاهوت، وفي الحقل الإبستمولوجي كالمعرفة الدينية والفلسفة والدين. لقد أدى غياب الحدود الفاصلة بين الدين والفكر الديني، وبالتالي بين المقدس وإيديولوجية المقدس، إلى جعل الثانية، أي إيديولوجية المقدس، الوعاء الذي يحتوي الأول ويؤوِّلُهُ وفقاً لشروطه المعرفية،.

وكذلك بحسب درجة فهم منتجيه وظروف حياتهم. إن هذين الاحتواء والتأويل، أدّيا ضمن سَيْريَّة التوظيف، إلى جعل الدين في مساره التاريخي، أو الدين في ظهوراته الدنيوية واقعة إيديولوجية بامتياز. حتى لقد ذهب مفكرون مسلمون معاصرون إلى أن «أفضل تعريف للدين هو أنه إيديولوجيا، وأن أفضل تعريف للإيديولوجيا هو أنها استمرار للغريزة...». ونضيف: إن الإيديولوجيا بهذا التعريف، هي استمرار حيٌ للأهواء والمصالح والهويّات..

يجري هذا المسار المقلق في زمن تكثّفت فيه الهويات الفرعية، وغدت هي الحاكم في كل نشاط يجتاح مجتمعاتنا، حتى لقد بدا وكأنّه لا مناص للعالم فيها من إيديولوجية تحمي أهله، أكانت هذه الإيديولوجية محمودة أو مذمومة.