هل تعتبر المحكمة الجنائية الدولية حقاً آلية لتحقيق العدالة الإنسانية ضد المتهمين بارتكاب الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.. أم هي هيئة فاقدة للمصداقية ٌمهمتها لضغط والابتزاز السياسي وأداة قضائية لتسييس العدالة الدولية؟
عاد هذا السؤال ليطرح نفسه مجدداً بعد اجتماع بنيويورك بداية هذا الشهر لما يسمى «تحالف المحكمة الجنائية الدولية» بمشاركة عشرات المنظمات المدنية والحقوقية الممولة من الولايات المتحدة الأميركية بهدف الترويج في المنطقة العربية الإسلامية لبضاعة مغشوشة اسمها المحكمة الجنائية الدولية، وفيه جرت محاولات سياسية ودعائية محمومة لاصطياد مصر بالخداع أو بالابتزاز للوقوع في الفخ بالتصديق على معاهدة روما والانضمام لتلك المحكمة..
ولماذا مصر بالذات، فلأنهم يرون بأن توقيع مصر الدولة الكبرى سيفتح الطريق لوقوع بقية الدول العربية في الفخ، وذلك بنص ما ألقوه في نيويورك من خطابات، وما روجوه في وسائل الإعلام من حملات إعلامية، وما وجهوه للبرلمان وللحكومة المصرية من رسائل رسمية استغلالاً لأجواء التحولات الديمقراطية، وتحت غطاء الضباب الكثيف والضجيج العنيف لأجواء المزايدات السياسية في إطار الحملات الانتخابية والمناكفات الحزبية!
أما لماذا تمثل هذه المحكمة بضاعة مغشوشة، فلأنها بالواقع المجرب تبدو مجرد أداة سياسية لقوى دولية نافذة، وباللافتة الزائفة تبدو محكمة لتحقيق العدالة الإنسانية، لكنها في الحقيقة تمارس الانتقائية والانتقامية على الأفارقة والعرب والمسلمين فقط المطلوب عقابهم، على جرائم المخالفة للإرادة الأميركية أو الغربية أو الصهيونية، بينما لا أميركا ولا الغرب ولا إسرائيل يمكن محاكمتهم على جرائمهم العدوانية وضد الإنسانية أمام تلك المحكمة!
وليس هناك من دليل على أن هذه المحكمة بضاعة فاسدة ومغشوشة أوضح من رفض أميركا الاعتراف بها والامتناع عن التصديق على معاهدتها، بينما هي الراعي الأكبر لحملة اصطياد الزبائن للوقوع في شباك هذه المحكمة، بما يذكرني ببائع الخمور الذي لا يشرب الخمر، أو ببائع المخدرات الذي لا يدخن الحشيش!
وليست أميركا هي الدولة الكبرى فقط التي ترفض الاعتراف بتلك المحكمة، بل أيضا ترفضها روسيا والصين والهند وهي الكتلة السكانية التي تمثل ربع البشرية، كذلك ترفض إسرائيل إلى جانب أكثر من سبعين دولة أخرى، وفي العالم العربي لم توقع حتى الآن سوى أربع دول هي جيبوتي والأردن وجزر القمر وتونس، فيما بقيت الدول العربية الثماني عشرة ترفض التصديق حتي الآن على معاهدة المحكمة المسيسة.
والواضح أن تسييس القانون الدولي مدعاة لإفساد أجهزة العدالة الدولية وإفراغ للإدعاء ولأحكام القضاء الدولي من المصداقية والمشروعية القانونية. ولهذا لم يعد القانون الدولي اليوم وسيلة للتحقيقات النزيهة، قدر ما تحول الى وسيلة للضغط والابتزاز السياسي والمساومات بما طرح العديد من التساؤلات حول الولايات المتحدة التي توجه تهم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية إلى كل من لا يروق لها من زعماء وساسة الدول، فيما تمنع المحاكم الدولية من محاكمة المواطنين الأميركيين؟!
فكيف يمكن التعامل مع تلك المحكمة باعتبارها جهة قضائية دولية بينما هي تابعة بصورة أو بأخرى لجهة سياسية دولية، وادعاءاتها بلسان المدعي أوكامبو وقرارات اتهاماتها العجيبة في القضايا السودانية والليبية واللبنانية والسورية هي قرارات سياسية أنجلو فرنسية أميركية محولة من مجلس الأمن الدولي للانتقام الشخصي من رؤساء دول عربية خالفوا إرادتهم السياسية في مجلس الأمن الذي لولا روسيا والصين لأصبح أميركياً أكثر منه دولياً!
أما لماذا قراراتها القضائية عجيبة، فلأنها ببساطة لا تطبق القانون على الحالات المماثلة بنفس المعايير القانونية بل السياسية، لأن الإرادة القضائية للمحكمة في حالة الدول غير الموقعة على اتفاقية روما مقيدة بالإرادة السياسية لمجلس الأمن الدولي في محاكمة طرف ما، أو في منع محاكمته بإرادة سياسية لدولة واحدة من ملاك الفيتو الخمس في مجلس الأمن. والدليل هو إجابة السؤال التالي، ماذا لو تقدم جل أعضاء مجلس الأمن بطلب إحالة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق معه ومحاكمته في تهم العدوان وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاك الجسيم للقانون ولحقوق الإنسان في أفغانستان والعراق مثلا مع ثبوت أدلة الاتهام؟..
ألا يكفي فيتو بريطاني أو فرنسي وليس أميركياً لإيقاف إصدار قرار مماثل من مجلس الأمن بالإحالة للمحكمة، مثلما صدر القرار ضد زعماء عرب أرادت أميركا الانتقام منهم؟!
إنه لا عدالة على الإطلاق إذا كان الخصم هو الحكم، أو هو القاضي وهو الجلاد! ولا عدالة على الإطلاق حينما يكون القانون هو قانون القوي الذي انتصر، والقضاة هم جنرالاته المنتصرون بغض النظر عن موقع العدالة في الواقع!
ولا عدالة دولية إذا كانت أميركا بما تملك من قوة لإرهاب العالم، تستخدم مجلس الأمن تارة أو المحاكم الدولية تارة أخرى، كوسائل للضغوط والتهديدات وتوقيع العقوبات الظالمة الاقتصادية والسياسية بل وللعدوان على خصومها، دولاً أو أفراداً.
وما يجري في العالم العربي اليوم من جانب العالم الغربي يذكرنا بمحاكمات نورمبرغ بالأمس، حيث اختارت أميركا نفسها للجلوس في مقعد القاضي بغير أهلية بينما هي الجلاد، وفي مقعد الحكم بلا مصداقية بينما هي الخصم، مع فارق أساسي.. بالأمس كانت المنتصر الذي يحاكم خصمه المهزوم، بينما هي اليوم لم تنتصر، لا في العراق ولا في أفغانستان ولا في لبنان، فيما تصر على تمثيل دور القاضي في مسرحية هزلية اسمها «العدالة الدولية»!