تمتد جذور الصراعات السياسية "الظاهرية" في العراق، إلى الانتخابات النيابية الأخيرة في مارس 2010، في حين تمتد جذورها "الحقيقية" إلى الأيام الأولى التي أعقبت تأسيس الدولة العراقية مطلع عشرينيات القرن المنصرم، فهذه الصراعات رغم مرور قرن من الزمن، لمّا تُحسم بعد.
الصراعات بين الفرقاء في الساحة السياسية العراقية كثيرة ومتنوعة ومتباينة العمق، إلا أن أبرزها وأكثرها خطورة على وحدة العراق ومستقبله في الوقت الحاضر، هو الصراع القديم الحديث بين العاصمة بغداد وعاصمة إقليم كردستان أربيل. وقد اختلفت الآراء حول طبيعة هذا الصراع، فاعتبره بعض المراقبين صراعا بين العرب والكورد، واعتبرته الحكومات المتعاقبة في العراق صراعا مع المتمردين، واعتبره الكورد من جانبهم صراعا من أجل نيل حقوقهم المشروعة في أرضهم.
عمدت الحكومات العراقية، منذ العهد الملكي مرورا بالعهد الجمهوري، إلى حسم الصراع مع الكورد بالقوة، وكانت نتائج ذلك وخيمة، فقد استنزف هذا الصراع أموال البلد من جهة، وسفكت فيه دماء مئات الألوف من شباب العرب والكورد من جهة ثانية. من جانب آخر، كان لهذا الصراع الدور الأكبر في عرقلة خطط التنمية والتطور في البلد، وأسهم في تعريض أمنه القومي للخطر، حين سمح في معظم أطواره بتدخل بعض دول الجوار.
أجواء العراق السياسية لم تخل، على مدى السنوات المنصرمة، من تشنجات خطيرة، إلا أن الآونة الأخيرة قد شهدت دخول اللعبة السياسية في طور جديد، أصبح يهدد بالخروج عن الثوابت التي تشكل بها الحكم منذ سقوط النظام السابق، إذ لم يعد ممكناً الاستمرار في انتهاج سياسات ومواقف يغلب عليها "التردد"، مع تصاعد حدة الخلافات ووصولها إلى درجة خطيرة أصبح فيه "الحسم" خيارا لا مفر من اللجوء إليه.
رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يشغل موقع القلب في الأحداث الملتهبة، فهو المستهدف فيها، ويخوض صراعات كبيرة مع أكثر من طرف؛ مع الهاشمي ومع المطلك ومع علاوي، ومع البارزاني، ومع الصدر مؤخراً، وربما مع آخرين من حزبه، ومن الصعب تصور أنه سيخرج معافى من هذه المعارك الكبيرة متشعبة الأطراف، بعد أن بدأت هذه القوى تلم شملها لإقصائه.
أما الرهان على التوازنات بين المصالح الأمريكية ومصالح بعض دول الجوار التي أفادته في السنوات المنصرمة، فهي الأخرى غير مضمونة في حال توافر بديل لا يخل بهذه التوازنات، وهو على أية حال ليس من المتعذر إيجاده.
قوى المعارضة التي توسعت مساحة نفوذها، أخذت المبادرة فعقدت اجتماعا في أربيل حضره للمرة الأولى زعيم التيار الصدري، وصدرت عن ذاك الاجتماع مذكرة سلمت لقيادة التحالف الوطني الحاكم، تمنح التحالف مدة أسبوعين لتقديم رد إيجابي وإلا ستسحب الثقة من حكومة المالكي. انتهت المهلة وعقد في النجف اجتماع مكمل للقاء أربيل، تمخض عن منح التحالف الوطني مهلة أسبوع لاختيار بديل لرئيس الوزراء.
لغة الأرقام تشير إلى أن مجموع أصوات النواب في الكتل السياسية التي تهدد بسحب الثقة هو الغالب، ولكن غير المضمون هو اصطفاف جميع هؤلاء خلف هذا التوجه.
فهناك حسابات كثيرة تدخل في تقرير الموقف لكل نائب على حدة، بعضها ذو طابع شخصي يتعلق بفرصه في الانتخابات القادمة، وبعضها الآخر ذو طابع يتعلق بالحذر والتوجس من خطورة حدوث فراغ سياسي. وردا على مبادرة أربيل، أعرب التحالف الوطني عن دعمه للمالكي مع عدم الممانعة بإجراء الإصلاحات التي لا تتعارض مع بقائه في الحكم.
من جانب آخر وفي خضم هذه الأحداث، قرر المالكي استرجاع المبادرة من خصومه وتحويل طبيعة الصراع وجوهره إلى صراع مع إقليم كردستان ومطالبه، فبادر إلى إرسال قوات عسكرية سبقت عقد اجتماع وزارته في مدينة كركوك في الثامن من مايو/ أيار الجاري، مع أوامر لهذه القوات بإخراج أية قوة مسلحة غير نظامية من المدينة. فالصراع قد وصل إلى أقصى درجات التشنج، ومبرراته كثيرة يستطيع أي طرف التقاط ما يناسبه منها لجعله واجهة في أجندته.
هكذا يحاول المالكي قلب الطاولة على معارضيه، فاختار ساحة الصراع "كركوك" ليعلن منها أن هذه المدينة عراقية يتمثل فيها جميع مكونات الشعب العراقي. وهو بذلك يعلن، للمرة الأولى، أن مطالب التحالف الكردستاني بضمها جغرافيا إلى الإقليم الكوردي، ليست مقبولة من حكومته.
وأن المادة 140 من الدستور الخاصة بتقرير مستقبلها لا مجال لتطبيقها. وهكذا قرر المالكي أن المرجعية لحل الخلافات والآليات التي تتبع ذلك، وهي الدستور، لم يعد ممكناً الأخذ بها. وقد كان في منتهى الوضوح وهو يطرح إمكانية تجميد العمل بالدستور لحين انتهاء الدورة الرئاسية الحالية، وهي دعوة تخدم أهداف معارضيه الذين يتهمونه بالتفرد بالسلطة.
خطوة المالكي هذه قصيرة النظر محفوفة بالمخاطر، لأنها لم تتأت في سياقات استراتيجية سبق أن تبناها ائتلاف دولة القانون والتحالف الوطني الذي ينتمي إليه، قدر ما هي خطوة ارتجالية للخروج من مأزق يواجهه حول قضايا تتعلق بأسلوب إدارته للدولة. فالمالكي يدفع بالأزمة نحو المواجهة العسكرية مع الكورد، في الوقت الذي أصبح فيه هؤلاء أقوى من أي وقت مضى، محليا وإقليمياً ودوليا.
المالكي يراهن بخطوته الخطيرة هذه على تصدع جبهة القوى المعارضة التي تستهدفه، من منطلق أنه يخوض صراعاً قوميا قد يترتب عليه تصدع ائتلاف "العراقية"، الذي يضم بعض القوى التي لها منظور قومي عروبي يتحفظ تقليدياً على بعض أجندة التحالف الكردستاني.
ومنها تبعية كركوك لإقليم كردستان، إضافة إلى رهانه على كتل صغيرة أخرى سبق وأن انشقت عن ائتلاف العراقية، كالكتلة البيضاء وكتلة العراقية الحرة، بالإضافة إلى رهانه على أصوات نواب كركوك من العرب والتركمان، مما يجعل عملية سحب الثقة صعبة للغاية.
تصريحات المالكي بشأن تجميد الدستور، تثير مخاوف جديدة حول جديته في التمسك بالخيار الديموقراطي الذي بنيت عليه العملية السياسية، رغم كل المآخذ عليها، فالحديث عن تجميد الدستور كخيار مطروح، بمثابة انقلاب على العملية السياسية، وإعلان حالة طوارئ تطلق فيها يد الحكومة بحرية كاملة.. في كل شيء.