«الرقص لخدمة المجتمع»، هذا عنوان لفعالية خيرية تقام على مسرح إحدى الجامعات المحلية، لجمع التبرعات لصالح جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني.. وتتضمن "الهيب هوب" و"البريك دانس" والجاز وعروضا لمقلدي مايكل جاكسون.. إلخ.
عنوان صادم لمضمون استوقفني طويلاً، لهذا الربط العجيب بين الرقص والأعمال الخيرية، والهيب هوب والبريك دانس ومساعدة المجتمع! ليس لإنكار أي منهما على حدة، وإنما للجمع بين المقصدين والطريقين في إطار واحد، يحمل من الدلالات السلبية أكثر بكثير من عوائده الإيجابية!
وإذا كانت الغاية تبرر الوسيلة في بعض ضروب السياسة، فإنها مستشنعة مرفوضة إذا دخلت مجال العلاقات الاجتماعية، وهي أشد رفضاً واستنكاراً إذا دخلت حقل جمع التبرعات، لأنها عند ذلك تفقد القيمة المعنوية الكبرى والمقصد الإنساني النبيل.
فمن قال إن مراكز العمل الإغاثي تنتظر فتات ما يلقيه هذا الراقص أو ذاك، بعد أن يأخذ ما تعاقد عليه من الجهة الراعية، بغض النظر عن مقاصد الرعاة والقائمين على هذا الحفل؟ ومن الذي سمح لمثل هؤلاء الرعاة أن يجعلوا مصائب الناس مطية لتمرير سياستهم ودسها بين الشباب، وكأن ما يجري في مواقع التواصل الإلكتروني لا يكفي لتدميرهم، بل يحتاجون إلى جرعة من البريك دانس؟!
إن فلسفة العمل الخيري التطوعي إنما تقوم في جوهرها على المبادرة الذاتية، بعد الإحساس بمرارة الآخر ومأساته، والقفز فوق الرغبات الشخصية والأهواء في سبيل تقديم العون للآخر، فهي ارتقاء إنساني نقي يصقل النفوس ويعلو بها فوق الذاتية والأنا.
غير أنها هنا في مثل هذه الاحتفاليات "الدخيلة" على مجتمعاتنا، إنما تبتز الفرد في المجتمع موهمة إياه بأنه أدى واجبه الإنساني لهيئات الإغاثة، وهو يعلم وهم يعلمون أنه إنما حضر لمثل هذه الحفلات رغبة في الاستمتاع وإشباع ذائقته الخاصة، لا عشقاً للعمل الخيري والاندفاع نحوه.
قفزة خطيرة في تعاملنا مع مبادئ العمل الخيري، لم ولن يعتاد عليها مجتمعنا، لأنها تقدح في جوهر هويته الأصيلة التي لا تنتظر على المعروف جزاءً، مهما كانت طبيعته ولونه، حتى ولو كان انتشاءً على أصوات موسيقى الجاز!!..
ولا أدري ما الذي يطمح إليه القائمون على مثل هذه الفعاليات حين يستدرجون هيئات خيرية لتشكل مظلة لهذا النوع من الأنشطة، ولو أنهم أعلنوها صراحة في رغبتهم في إقامة حفلات لمقلّدي مايكل جاكسون ـ ممن لا يجدون مسارح تحتويهم ـ لقل الإنكار عليهم ولوجد البعض لهم عذراً في حرية ممارسة ما تراه الجامعة صحيحاً، أما وأن تخلط الأوراق وتجعل جمعيات الهلال الأحمر تنتظر وصلات الراقصين لتنقل المساعدات للمحتاجين، فهذا مما لا يمكن فهمه أو تبريره.
صحيح أننا نعيش في بلد يرفع شعار الانفتاح على الآخر والمرونة في التعامل مع جميع الثقافات، بغض النظر عن اتفاقنا مع مفرداتها أو اختلافنا معها، إلا أن هناك جملة من الخصوصيات التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهويتنا، لا يمكن بأي شكل من الأشكال التهاون فيها، أو السماح بأن تموّه المفاهيم حولها أو أن تدخل في طرق ليست مما ألفها مجتمعنا ورسخت فيه. وإذا كان مثل هذا الأمر مقبولا في المجتمعات الغربية مثلاً، فهو بلا شك مرفوض جملة وتفصيلاً في مجتمع يحترم العمل الخيري ويتفاعل معه ذاتياً، فليس كل ما يقبله المجتمع هناك قابل للتطبيق هنا!
ونقطة أخرى لا بد من الإشارة إليها والوقوف عندها ملياً، وهي ما الذي يجعل جمعيات العمل الخيري ترضى لنفسها أن تقف على أعتاب المسارح تقاسم الراقصين حصصهم من حفلاتهم لتأخذ المساعدات لمن يحتاجها؟.. وهل وصل تقصير المجتمع في الاندفاع للعمل الخيري والمبادرات الإنسانية، الحد الذي أصبح استدرار عطفه وإخراج نفقاته لمساعدة الآخرين، لا يتم إلا عبر ضريبة استدراجه بهذه الطريقة أو غيرها؟
أسئلة تبقى معلقة في ضمير المجتمع ليقطع فيها بالإجابات المناسبة، ولتكن لدينا الشجاعة لإعطاء الأشياء مسمياتها الأصلية، وسحب المظلّة الزائفة من فوقها ليتمكن الناس من رؤيتها بوضوح وحيادية.. ونحن إذ نقف مع مصاف الدول المتقدمة الراقية، فلا أظن أن مجتمعنا يحتاج إلى الرقص لخدمته!