هناك أماكن محدودة في القاهرة تفوق معرفتي بها معرفتي بمقهى ريش، ذلك أنه منذ أيامي الأولى هناك، كنت التقي بأصدقائي على وجه العموم في مقهى ريش، حيث كنا نتحدث عن الموضوع الذي يثير اهتمامي، ألا وهو بدايات حقبة جديدة في الأدب العربي.

ولقد طلب مني إنجاز ترجمة كتاب قصص قصيرة من تأليف كتاب شباب من مصر يشقون طريقهم إلى المجلات الأدبية والمجلات العديدة التي كان ناشرون جدد قد بدأوا بإصدارها بشكل متقطع. وعلى الرغم من إنني قبلت بإنجاز مثل هذا المجلد، إلا إنه ما أن حان وقت الجلوس على الكرسي والقيام بالترجمات المطلوبة، خطر ببالي أن هناك شيئا اكثر أهمية يجب ترجمته، ويفترض القيام بذلك الأن، وإلا لن تتسنى ترجمته أبدا، وهذا الشيء كان مجلدا من قصص لكتاب مصريين منذ أيام بدء تأليف القصص القصيرة في مصر، بمعنى منذ وصولي إلى القاهرة في نهاية الحرب العالمية الأولى.

كنت قد سافرت إلى القاهرة على متن سفينة، وكان برفقتي شخص سبق له أن عمل معي خلال الحرب في هيئة الإذاعة البريطانية، يدعى عبد السلام علي نور، كان فنانا ممتازا يعمل في مجلة "المستمع العربي" التي كانت تصدرها هيئة الإذاعة البريطانية، لتوزيعها في أرجاء العالم العربي. وفي الواقع، لا زالت لدي بعض الرسوم التوضيحية التي رسمها للقصة القصيرة للطيب صالح التي بثت عبر الإذاعة، ومن ثم تمت طباعتها في المجلة.

وفي الواقع، كانت هذه القصة الأولى من تأليف الطيب صالح التي تظهر بشكلها المطبوع. وأذكر أنه على متن السفينة كان علي نور يقضي كثيرا من وقته على سطح المركب في إبداع رسوم تخطيطية لبعض زملائنا من الركاب. وفي مقابل هذه الصور، كان المسافرون المعنيون بالصور فرحين جدا إلى حد أنهم لم يدفعوا له. وما أن وصلنا إلى بور سعيد ومن ثم سافرنا صعودا إلى القاهرة، حتى عرفني علي نور على العديد من أصدقائه المصريين، وأذكر أنني أجريت معي مقابلة مطولة للنشر في احدى المجلات العربية الأسبوعية.

وعندما انتهيت من تأليف كتاب القصص القصيرة المصري، أعطيته عنوانا وهو "العودة للوطن"، والذي هو عنوان قصة في المجلد من تأليف صديقي يوسف أبو ريه الذي لشدة حزني توفي أخيرا. على كل حال، تم تنظيم حفلة توقيع للكتاب في مقهى ريش، من قبل نبيلة عقل من الجامعة الأميركية، ولقد أدهشني العدد الكبير من الكتّاب الذي قدموا إلى المقهى لشراء نسخة من الكتاب تحمل توقيعي.

وعند إنجازي الكتاب كان هناك بعض الصعوبة في إيجاد قصص من السنوات السابقة. وعلى الرغم من ترجمتي قصصا كثيرة لأدباء مثل محمد تيمور وتوفيق الحكيم والمازني ولطيفة الزيات وعبد الحميد جودة السحار، فان العديد منها لم يظهر في إصدارات مطبوعة لأنه في ذاك الوقت لم تكن هناك مجلات لإصدار مثل هذه القصص باللغة الإنجليزية، ومعظمها تم بثه عبر الإذاعة في برنامج اللغة الإنجليزية. وتصادف أن لدي بعض النسخ من هذه القصص، مطبوعة بشكل سيء على آلتي الطابعة. وكنت محظوظا بإصداري كتابي الأول من القصص القصيرة في تاريخ مبكر كعام 1967، حيث تسنى لي تضمين بعض القصص التي كنت قد ترجمتها لهذا المجلد.

كانت أمسية مرهقة بالنسبة لي، فقد كان مطلوبا مني توقيع عشرات النسخ من كتابي الجديد حينها، ووجدت نفسي في معظم الأحيان مجبرا على سؤال أحدهم عن اسمه، على الرغم من معرفتي الجيدة به. والمشكلة هي أنه عندما يبدأ المرء في الإيغال في السن، تضعف ذاكرته. وكان للكتاب عنوان فرعي هو "ستون عاما من القصص القصيرة المصرية"، وقد أصدرته بشكل جيد مطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة، وبغلاف انجزه خصيصا صديقي الفنان المعروف عادل السيوي.

اشعر أنني بإنجازي هذا المجلد قد أنقذت أعمال عدد من الكتاب الأوائل من الضياع. على سبيل المثال، هناك قصة من تأليف إبراهيم شكرالله، الذي كان صديقا مقربا لي. ولم يكن يعتبر نفسه كاتب قصص قصيرة، وبالتالي لم يكلف نفسه عناء نشر أعماله، حتى باللغة العربية نفسها. لكنني وجدته موهوبا، ولحسن الحظ نشرت ترجمة إحدى قصصه في مجلة إنجليزية كانت تصدر آنذاك.

 وهناك أيضا قصص لكتاب مثل يوسف السباعي، وعبد الحكيم القاسم، ولطفي الخولي وأليفة رفعت، وصديقي الطيب يحي الطاهر عبدالله الذي توفي في حادث سير، ومحمد عفيفي الذي تصادف انه ولد في السنة نفسها التي ولدت فيها، وألف كتابا رائعا تحت عنوان "أنوار" في عام 1946، يتعامل من خلاله مع مواضيع مثل استخدام اللغة المحكية وإمكانية استخدامها في الأعمال الأدبية. والمجلد أيضا يحوي أربع قصص قصيرة جدا كتبها صديقي الطيب محمد مخزنجي.

وقد يكون هذا الكتاب الأخير الذي سأصدره، لكنني أشعر أنه مهم بقدر الكتاب الأول الذي طبعته على حسابي في أوائل الأربعينات، وهو كتاب قصص قصيرة لأديب يمكن أن يدعى عن حق ب "رائد القصص العربية القصيرة" وهو محمود تيمور.