حال ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت في السادس من مايو، وفوز مرشح الحزب الاشتراكي بالرئاسة، سارعت وكالات الأنباء لنشر هذا الخبر الهام، معلنة أن "اليسار" الفرنسي قد ألحق الهزيمة بحزب التجمع من أجل الجمهورية "المحافظ"، الذي يتزعمه الرئيس المنتهية ولايته نيكولا ساركوزي.
علماً بأن مصطلح "محافظ" يوازي مصطلح "اليمين" في المعجم السياسي. وتزامنت مع هذا الحدث الهام، أحداث أخرى في القارة الأوروبية ذات صلة، أولها هزيمة حزب المحافظين وحليفه حزب الليبراليين الديمقراطيين في الانتخابات المحلية في بريطانيا، وخسارتهما لمئات المقاعد لصالح حزب العمال.
وهو حدث هام آخر لا يتردد المراقبون في نعته بأنه خسارة "اليمين" لصالح "اليسار". وثانيها هزيمة الحزبين الحاكمين في اليونان أمام أحزاب جديدة يطلق عليها مسمى "اليسار"، وثالثها تراجع شعبية الأحزاب المشاركة في ائتلاف يمين الوسط في ألمانيا بزعامة المستشارة أنغيلا ميركل في الانتحارات المحلية.
والحقيقة أن من صنع هذه الأحداث الهامة هم الغاضبون والمتضررون من السياسات التي انتهجتها الأحزاب اليمينية في أوربا، بالتعاون مع حلفائها على الطرف الآخر من المحيط الأطلسي، والتي كان من نتائجها الكارثية انجرار العالم كله إلى أزمة اقتصادية، سببت تراجعاً في اقتصادات بعض دوله وركوداً في اقتصادات دول أخرى، ولم يستفق العالم بعد من تداعياتها منذ اندلعت في الربع الأخير عام 1908.
ومع أن هذه الأزمة قد ألقت بظلالها الكئيبة على معظم الطبقات الاجتماعية، إلا أن المتضرر الأكبر كان الطبقات الفقيرة من المجتمع، وبدرجة أقل الطبقات المتوسطة، حين تضاءلت أمامهما فرص العمل من جهة وتقلصت إلى حد كبير الخدمات من جهة أخرى.
في هذا الصدد نتوقف عند مصطلح "اليسار"، ما الذي عناه في الماضي وما الذي يعنيه في الحاضر؟
اكتسب مصطلح "اليسار" معناه من معنى نقيضه "اليمين"، والعكس صحيح أيضاً. فحين تقف في مواجهة القطب الشمالي، يصبح الشرق على "اليمين" ويصبح الغرب على "اليسار"، وفي هذا دلالة ضمنية على التعارض والتضاد وعدم اللقاء بينهما، فالسائران في هذين الدربين يوليان ظهريهما لبعضهما. أما المعنى السياسي لهما فقد أفرزه الأدب السياسي للثورة الفرنسية عام 1789.
حيث ضم مجلس الشعب الفرنسي ثلاثة تيارات سياسية واضحة المعالم؛ تيار ثائر تبنى أجندة تحولات اجتماعية وسياسية كبرى جلس أنصاره إلى يسار رئيس المجلس، وتيار محافظ سعى إلى إبقاء الأوضاع الاجتماعية والسياسية على ما هي عليه وجلس أنصاره إلى يمين رئيس المجلس، وتيار ثالث متردد بين هذا وذاك جلس أنصاره في الوسط.
هكذا انبثقت الدلالات السياسية لكل من "اليسار" و"اليمين" و"الوسط"، وشاعت في الأدبيات السياسية والاجتماعية، وتوسعت معانيها لتصبح في مرحلة لاحقة مصطلحات ترتبط بالمواقف الأيديولوجية من القضايا التي تخص المجتمع، وأساليب مقارباتها وآليات علاجها. وبكلمات أخرى؛ ارتبطت هذه المصطلحات بالصراع الطبقي داخل البلد الواحد، ثم اتسعت دائرة استخداماتها لاحقاً لترتبط بالصراع العالمي في حقبة الحرب الباردة، بين المعسكر الرأسمالي والمعسكر الاشتراكي.
وصل الصراع بين "اليمين" و"اليسار" أقصاه، حين قدم "اليسار" نفسه عالميا ممثلاً لمصالح الطبقات الاجتماعية الفقيرة، وداعياً لإحلال السلم في العالم، وحاملاً الرؤى والأحلام الكبيرة للتغيير، متمترسا خلف الاتحاد السوفييتي، في حين وقف "اليمين" متوجساً قلقاً من برامج "اليسار"، ومن خطورتها على النظام الاقتصادي والعقائدي الغربي الذي ارتبط بنظام الملكية الكبيرة للأرض ولوسائل الإنتاج، متمترساً خلف الولايات المتحدة.
إلا أن الزمن لم يستثنِ مصطلح "اليسار" من التغيير، فالصيغة المطلقة لهذا المصطلح في الأدبيات السياسية الكلاسيكية، لم تلق قبولاً في الأوساط السياسية في أوروبا الغربية، ولم تلق شعبية تسمح بتبوئه مساحة كبيرة في ساحاتها السياسية منذ مطلع القرن العشرين، وهي لم تعد كذلك في معظم أنحاء العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، إذ لم تعد أحزاب اليسار التقليدي تتبنى أجندة تغيير جذرية .
كما كان الحال سابقاً، وتبعاً لذلك أصبح مفهوم "اليسار" نسبيا يختلف معناه من بلد لبلد آخر ومن ظرف سياسي إلى ظرف آخر. وأصبح التباين الصارخ مع "اليمين" أقل وضوحا عن ذي قبل، بعد أن مُلئت الفجوة بينهما بلون رمادي يقترب في درجة عتمته من أحدهما في إحدى نهاياته ومن الآخر في نهايته الأخرى، وحظيت مواقع هذا الطيف الرمادي بمسميات عديدة من الألوان السياسية، تراوحت بين "يمين اليمين" إشارة للأحزاب الفاشية، إلى "يسار اليسار" إشارة للأحزاب الشيوعية.
كما أن التعارض الأيديولوجي الجوهري بين المذهبين، على مستوى الرؤى الاقتصادية وما يترتب على ذلك اجتماعيا وفكرياً، لم يعد يعكس تبايناً وتعارضاً واضحاً بين منظومتي القيم الخاصة بكل منهما. فالبعض مما نادى به "اليسار" في أجندته قد أصبح أكثر التصاقاً بأجندة "اليمين"، والعكس صحيح إلى حد ما.
وعوداً على بدء، نرى أن من الضروري التمييز بين تراجع "اليمين" في أوروبا وبين هزيمته، فقد سبق أن انتقلت السلطة مراراً بين أحزاب "اليمين" وأحزاب تحمل مسمى "اليسار"، في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وغيرها، إذ لم تعد هزيمة هذا "اليمين" أو هذا "اليسار" سوى حدث عابر في الحياة السياسية في أوروبا. فالأحزاب التي هزمت "اليمين" مؤخراً في بعض الدول الأوربية، هي أحزاب إصلاحية يمكن القول بأنها أقرب تمثيلا لمصالح الطبقة الوسطى، التي ترتبط إلى حد ما بمصالح الطبقات الثرية ولا تتعارض معها جذرياً.
إن مصطلح "اليسار" السياسي في عصرنا الحالي، يطلق على الأحزاب التي تحمل أجندة تغيير وإصلاح محدودة الطموح، لا تطال بنية النظام السياسي القائم ولا تسعى لتقويضها. هذه الأحزاب غدت من أعمدة الاستقرار الأساسية في المجتمع الغربي حين أصبحت تتبادل المواقع، في الحكم أو المعارضة، مع أحزاب "اليمين"، عبر عملية انتخابية يبدوان فيها كطرفين في "لعبة السيسو"، يتأرجح مركز الثقل مرة لصالح أحدهما ويتأرجح لصالح الآخر مرة أخرى. فقد أصبحا بمثابة "اليانغ" و"الين" في الثنائي الكونفشيوسي، ثنائي ينخرط في صراع لي الأذرع لا كسرها، صراع لا غلبة نهائية لأحد فيه.