لا يكاد يمر يوم دون أن نقرأ عن "قوة أميركا الآخذة في التضاؤل" و"تراجعها المحتوم"، فيما يناقش المراقبون العواقب المترتبة على التخفيضات الدفاعية وأزمات الميزانية.

ومع ذلك، فإن شقاً كبيراً من استراتيجية "القيادة من الخلف" الأميركية الجديدة، يعد مسألة اختيار، لا ضرورة. وفي ما يبدو، فإن كلا من منتقدي السياسة الخارجية الأميركية اليساريين والجاكسونيين اليمينيين، سئموا من إنفاق الدم والمال على دول الشرق الأوسط، بعد حربي الخليج الاثنتين، وعقد في أفغانستان، وتدخلات عدة في لبنان وليبيا.

هل يمكن للتراجع أن يقاس بدين هائل يبلغ 16 تريليون دولار، وينمو سنوياً مع عجوزات تصل إلى تريليون دولار؟ ربما. غير أن الأميركيين يدركون أن من شأن قانون ضرائب جديد، وإصلاحات بسيطة على الاستحقاقات، وتقليم معقول للرواتب ومعاشات التقاعد الحكومية المتضخمة، أن تعيد التوازن للميزانيات الفيدرالية. ولا تعود مشكلة الميزانية إلى عدم وجود الموارد المادية، ولكن إلى حقيقة أننا نفضل ألا نتحرك إلى أن نجد أنفسنا مجبرين على ذلك في آخر لحظة.

وهل تعكس أسعار الوقود المرتفعة ورسوم استيراد النفط الهائلة، أن أميركا تفتقر إلى مصادر الطاقة؟ ليس حقا. فهنالك ما يقرب من 25 مليار برميل نفط قبالة سواحل كاليفورنيا، وأكثر من ذلك بكثير في ألاسكا، والغرب الأوسط، وخليج المكسيك، والساحل الشرقي. ويوماً ما، عندما تصل أسعار الوقود إلى 5 أو 6 دولارات للغالون الواحد، سيشفى جيل جديد من الأميركيين من عجرفته، ويقررون الاستفادة من ثروات طبيعية تساوي تريليونات الدولارات.

وبعبارة أخرى، فإن أعراض التراجع الواضحة، بما في ذلك تخفيض النفقات العسكرية وتكاليف الطاقة الباهظة والإعسار المالي، هي خيارات نتخذها الآن، ولكن ليس من الضروري أن نتخذها في المستقبل.

وإذا كانت القروض القمعية تثقل كاهل طلابنا، فلم تبدو صالات الترفيه في الجامعات وكأنها منتجعات من فئة خمس نجوم؟ ولا يمكن التمييز بين الهواتف المحمولة والسيارات الخاصة بالطلاب، وبين تلك التي يمتلكها أعضاء هيئة التدريس.

ويعاني أفراد الطبقة الدنيا من السمنة أكثر من معاناتهم من سوء التغذية، ولا يتمثل وباؤنا الوطني في بروتين لا يمكن الحصول عليه، وإنما في وفرة من الحلويات الأرخص.

ويستهدف متظاهرو "فلاش موب" متاجر الإلكترونيات للحصول على المزيد من الخردة، ولا يستهدفون مخازن المواد الغذائية من أجل الحصول على الطعام. ولا يعاني أطفال أميركا من عدم القدرة على الوصول إلى شبكة الإنترنت، وإنما من إضاعة ساعات من وقتهم على ألعاب الفيديو ومواقع إلكترونية غير تعليمية. ولدينا من محطات التلفاز أكثر مما ينبغي، وليس أقل مما ينبغي. ولا تكمن المشكلة في تدني أجور موظفي الحكومة أو قلة عددهم، ولكن في أن الكثير منهم يعتقدون أن قارئي الأفكار والمهرجين يأتون مع الوظيفة.

ويستطيع كل مواطن أميركي عادي يملك هاتفاً محمولاً عادياً، الوصول إلى كم من المعلومات يفوق ذلك الذي وصل إليه أي من نبلاء "غولدمان ساكس" قبل 20 عاما. وعلى امتداد نصف القرن الماضي، دخلت مجموعة من الكلمات الجديدة والغريبة معجم المفردات الأميركية، ومنها الانخفاض الثلاثي، والبوتوكس، وشفط الدهون، وكولا (تعديل تكاليف المعيشة)، وعطلة نهاية أسبوع مدتها ثلاثة أيام، وتراكيب "ميدي" (ميدي كير، وميديك إيد، وميدي-كال)، وكلها لا تعبر عن شعب محروم.

وفي عام 1980، كانت عملية استبدال الركبة أو الورك عبارة عن جراحة تجريبية لأبناء الطبقة العليا، والآن أصبحت استحقاقاً، ومن استحقاقات برنامج "ميدي كير".

ولا يقاس الفقر الأميركي وفقاً لمعايير العالمية المطلقة، لما يتوفر من طعام ومأوى ورعاية طبية، أو بناء على مقارنات بالأجيال السابقة، ولكن بناء على حقيقة أن ما يملكه أحد الأميركيين يقل عما يملكه غيره.

وفيما تعيد أميركا النظر في جيشها، واستحقاقاتها، ومصادر طاقتها، وثقافتها الشعبية، فإنها ستدرك أن "تراجعنا" لا يعود إلى نقص المواد، وإنما ينبع من عدم فهمنا للكيفية التي تمكننا من السيطرة على الثروات الهائلة التي أوجدناها، بدلاً من السماح لها بالسيطرة علينا.

وإذا كان التراجع يعني أن نخوض حربين في آن واحد بدلاً من ثلاث، أو أن نضع ميزانية مماثلة لتلك التي وضعناها في عام 2008، أو أن نستغل المزيد من نفطنا البحري، أو أن توفر جامعاتنا عدداً أكبر من دروس قواعد اللغة، وعدداً أقل من جدران تسلق الصخور.. فلنعان منه إذن!