ثمة في الغرب اليوم من يذهب إلى القول إن مجمل مطارحات ما بعد الحداثة قد بلغ حدود الإشباع، والذين قالوا بهذا ـ ونحن نوافقهم الرأي، على الأقل في المقدمات، بقطع النظر عن الأحكام التي يتوصلون إليها ـ يدعون إلى البحث مجدداً عن سبيل لاستئناف سؤال الأخلاق.

فما الداعي إلى ذلك؟

إذا كان "الإنسان قد أشكل عليه الإنسان"، كما كان يقول أبو حيان التوحيدي واصفاً حقبة الجدل الفكري الإسلامي التي عاش في ظلها، فالإشكال نفسه يستعاد اليوم كعنوان مدوٍ للحضارة المعاصرة، وإن بمضامين أخرى.

ما يبدو من الصورة الراهنة، أن مساحة واسعة من البناء الأخلاقي الغربي دخلت فضاء التطيُّر. والأرجح أن ليس ثمة ما يوقف التكسّر القيمي، سوى ما يستعاد على نحو التكرار من ميراث الديمقراطية وحقوق الإنسان. لكن الأمر سيبقى غير موقوف على هذا المحدد الأخلاقي، فالعقل الذي انعقد الرهان عليه لكي ينتظم أزمنة التنوير، "ويخلِّق" إنسانها، غدا عقلاً محتلاً بضراوة المصلحة. ولقد ثبت من تجربة العقل الصارم على سيرة الحداثة وما بعدها، كم كانت نتائجها كارثية، خصوصاً حين جرت "موضعة" العقل في الأمكنة الأشد فظاعة، لاستلاب الإنسان.

وقبل بضعة عقود كانت للمفكِّر المعروف هربرت ماركوز، إشراقات مُعتَبرة حول الصورة الأخلاقية للمجتمع الصناعي الغربي. لقد كشف عن ظاهرة الإنسان ذي البعد الواحد، فَوَجَدَ أن المواطن في هذا المجتمع فَقَدَ حقّه في الحياة، بمجرد أن سلَّم للمجتمع مقاليد أمره، فتوهَّم أنَّه يعيش الحرية فيما هو يغرق في بحر سحيق من انتهاب المعنى. رأى ماركوز يومها أنَّ "المجتمع المستلب" يلبِّي حاجات وهمية لإنسانه، من خلال الدعاية الكاذبة ووسائل الاتصال الجماهيرية الخادعة.

وفي اعتقاده أنه إذا كان المجتمع يحرص على تلبية هذه الحاجات المصطنعة، فليس ذلك لأنَّها تؤدي شرط استمراره ونمو إنتاجيته فحسب، بل أيضاً لأنها خير وسيلة لإنتاج الإنسان المسلوب، القابل بالمجتمع ذي البعد الواحد والمتكيِّف معه. وما الإنسان ذو البعد الواحد في هذا المعنى، إلاَّ ذاك الذي استغنى عن الحرية بوهم الحرية.

فإذا كان (هذا الإنسان) يتوهم أنه حر لمجرد أنه يستطيع أن يختار بين تشكيلة كبيرة من البضائع والخدمات التي يكفلها له المجتمع لتلبية "حاجاته"، فما أشبهه من هذه الزاوية، بالعبد الذي يتوهم أنه حر لمجرد أن مُنحت له حرية اختيار أصفاده... على أن المجتمع الصناعي المتقدم - بحسب نقَّاده- لم يزيف حاجات الإنسان المادية فحسب، بل إنه أضفى الزيف أيضاً على حاجاته الفكرية، أي على نمو حركة فكره بالذات. فها هنا بالذات، يستحيل الفكر حقلاً مفتوحاً على الاستباحة. والفكر في توظيفاته واستخداماته الإيديولوجية، هو عدو لدود للذين يقطنون مجتمع السيطرة، لأنَّه يمثِّل قوة العقل النقدية، السالبة، التي تتحرك دوماً نحو ما ينبغي أن يكون، لا في اتجاه ما هو كائن. وهذه القوة، في خاتمة المطاف هي قوة إيديولوجية.

ولعل المفارقة العجيبة التي يسوقها نقاد أخلاقيات ما بعد الحداثة، في قولهم إنَّ المجتمع ذا البعد الواحد قد أحاط الإيديولوجيا بالازدراء والتحقير باسم عقلانيته التكنولوجية، بل سعى إلى مصادرتها وإبطال مفعولها، ليعود وينتجها على نصاب المصالح واستراتيجيات الهيمنة. مع أنَّ هذا لا يعني أنه أفلح في مسعاه، أو أنه لم تعد هناك إيديولوجيا، فما حصل بالفعل هو أنَّ المدينة التقنية أصبحت هي نفسها الإيديولوجيا السارية في الزمن.

من أبرز ما أسفر عنه منطق التحولات الذي استغرقته الرحلة الطويلة للحداثة الغربية، كان إدخال الإنسان في لجَّة اللاَّيقين. أما كارثة التحرر التي تحدَّث عنها ماركوز، فهي تلك التي دفعت العالم إلى فضاء اللاّعقلانية بوسائط عقلانية. وهنا تكمن على نحو خاص، قوة المجتمع ذي البعد الواحد؛ أي إكساء الطابع العقلاني لجموحه وجنونه. لقد ذهب صنَّاع هذا النوع من المجتمع إلى تسويق ما عرف بـ"الفكر الإيجابي"، وهو الفكر الذي يمهِّد الأرض لسيرورة القبول والإذعان وعدم الاحتجاج. في حين أن الأشد مدعاة للهلع في هذه السيرورة، هو أنَّ الفكر الإيجابي غالباً ما يكون ناتجاً من امتثالية صارخة للأمر الواقع.

كأنما القبول القسري بـ"الفكر الإيجابي" سيتحول شيئاً فشيئاً إلى إيمان به، وإلى اعتقاد بفضائله. وبحسب ماركوز فإنَّ "القبول بالفكر الإيجابي هو قبول قسري، لا بحكم الإرهاب المباشر، وإنما بفعل سلطة المجتمع التكنولوجي وفعاليته الساحقة". في حين أنَّ الفكر الإيجابي يؤثر، من هذه الزاوية المحددة، على الوعي العام، وبالتالي على الوعي النقدي. ويظهر ذلك بسطوع في التجربة اليومية التي ثـبتَ عجزها عن التمييز بين الظاهر العقلاني والواقع اللاّعقلاني.

لقد ذهبت العقلانية إلى "أدلجة" نفسها حتى الرمق الأخير، لكنها لم تستيقظ بعد من شغف الاستحواذ وضراوته، بل إنها أدخلت نفسها والعالم في ما يهبط بهما نحو كونية بلا أخلاق. حتى لقد بدا المشهد الإجمالي على صورة عالم بلا عقل، وأن عقلانية ما بعد الحداثة، تظهر اليوم كما لو أنها في ذروة الخروج على العقل. ومع ذلك تعود المفارقة لتستنتج أحوالها على نشآت شتى، فهي لا تغادر منظومتها الصارمة حتى في اللحظة التي تنزاح فيها نحو التطيُّر المطلق..

لقد سبق للمفكر الألماني ديتريش بونهوفر، أن تحدث بشيءٍ من الألم عن الانهيار الأخلاقي للحداثة، رائياً الإنسان الغربي بدأ سيداً للآلة ثم تحول إلى عبدٍ خاضغ لها. وبدا كما لو أنّ الخليقة تنقلب على بارئها، بعد أن أوهمها العقل الحديث أنها بهذا تعوّض عن الخطيئة الآدمية الأولى. ثم يضيف: "لقد انتهى تحرر الجماهير إلى رعب المقصلة، والقومية أدت إلى الحرب، كما قاد مثال التحرر المطلق الإنسان إلى الدمار الذاتي"...

هل يعني هذا أن مسارات التفكير في الغرب المعاصر، آلت على الجملة إلى دوائر معرفية مكتظة بالضباب؟ واستطراداً، هل يدل الأمر على الإحساس بضرورة إعادة تفعيل الأسئلة الابتدائية، على نحو يلبي فراغاً فجواته تتوسع مع الوقت؟

سؤال يعنينا نحن في المجتمعات العربية والاسلامية، بقدر ما يعني الغرب نفسه.