سؤال المهاجرين من الجنوب وكيفية التعاطي معهم على الصعيدين الوطني القومي والأوروبي الاتحادي، طغى على كثير من شواغل حملة الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة. وينظر الأوروبيون بوجل شديد إلى تداعيات موجات المهاجرين، بسحنهم وثقافاتهم وأنماط معيشتهم المختلفة..، على سيرورة الحياة في القارة العجوز من كافة الجوانب. في هذا السياق، لاتخفي القطاعات الاجتماعية السياسية الموصوفة بالتطرف القومي والشوفينية، امتعاضها من هؤلاء المهاجرين وكراهيتها لهم. وثمة من يتفنن منهم في إقامة حوائط صد قانونية وغير قانونية، للحد من تدفق الهجرة، حتى وإن بلغ الأمر حد اتخاذ إجراءات رقابية عسكرية صارمة على تخوم القارة بأسرها.

في مواجهة هذه القوى اليمينية، تقف جماعات لها وجهة نظر مغايرة نسبيا.. جماعات لا تستمرئ بدورها استقبال المهاجرين من حيث المبدأ، لكنها تقارب قضيتهم من منظورات أكثر رحابة وجذرية، كالدفع بأن معالجة الظاهرة لا يمكن لها أن تتم بشكل عقلاني وشامل، دون تحري أسبابها في كل من دول المنبع حيث عوامل الطرد، ودول المصب حيث عوامل الإغراء والجذب.

من الأسئلة التي تراود هؤلاء الأخيرين، ذوي الأفق الأكثر رشدا، أن المهاجرين عادة ما يقابلون صعوبات تجل عن الوصف.. هذا علاوة على المعضلات التي تنتظرهم في بلدان الاستقبال، كعدم العثور على فرص العمل والبحث عن أماكن ملائمة للسكن والإقامة، والأعراف واللغات المختلفة كليا، واحتمال تعرضهم لسلوكيات عنصرية قميئة.. ومع ذلك ومثله، لا يكف سيل المهاجرين عن التدفق وطرق أبواب عالم الشمال!

المسألة تبدو محيرة بالفعل، لكن الجدل المثار حولها ليس جديدا. الجديد الذي قد يلهب الجدل أكثر في أجل مستقبلي أو آخر، هو رصد وجود هجرة في الاتجاه المعاكس؛ من بعض الدول المتقدمة المرشحة دوما لاستقبال المهاجرين، إلى بعض الدول النامية في الجنوب. في مقال مثير، لفتت الصحافية البولندية الكسندرا ليبزاك، النظر إلى أن عددا ملحوظا من البرتغاليين والإسبان الحائزين على مؤهلات جامعية عليا، يتجهون إلى العمل في بعض دول الجنوب، وخصت بالذكر أنغولا والبرازيل والأرجنتين.

وفي البحث عن علة هذا التوجه، ظهر أن هاتين الدولتين الأوروبيتين تعانيان من نسبة بطالة مروعة بين شباب خريجي الجامعات.. وأن هذه الشريحة التي تفيض عن سوق العمل الأوروبي عامة، هي بالذات ما تفتقر إليه دول الجنوب صاحبة البرامج التنموية الطموحة.

وتوضح البيانات ذات الصلة، أن ثمة ثلاثة آلاف شركة برتغالية تعمل في مشروعات للبنية الأساسية في أنغولا، وأن البرازيل قد استقدمت زهاء سبعمائة ألف من الفنيين الأوروبيين، خلال العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين. ضمن جديد تيارات الهجرة أيضا، أن اليابان التي اشتهرت طويلا بالاعتماد على الذات في الوفاء بحاجات قطاعاتها الاقتصادية من العمالة، راحت مؤخرا تتساهل في استقبال العمال والخبراء الأجانب، بالنظر إلى تقدم أعمار مواطنيها وانخفاض معدل المواليد والتكاثر المحلي.

على ذلك، يبدو مشهد الهجرة الدولية لدينا على شكل تيارين.. أولهما عريض صارخ، يعبر عن انتقال العمالة غير الماهرة، شحيحة الخبرة والدربة، إلى دول الغرب المتقدمة، وقد انضمت اليابان إلى هذه الفئة أخيرا بعد طول انغلاق وتمنع. والثاني شحيح، لكنه قابل للاتساع، يشير إلى توافد العمالة الماهرة، عالية التعليم، إلى دول الجنوب الواعدة على طريق التنمية.

تعتقد ليبزاك أن حركة هذا التيار الأخير ليست استيطانا يعيد إلى الأذهان زمن بعض التجارب الاستعمارية، ولكنها أقرب إلى "طبقة رحل" تغادر عناصرها المكان إلى بلد آخر يتيح لها فرصا أكثر إغراء. نحن نشاطرها هذا التقدير، ونضيف أن قابلية هذه الطبقة للتنقل، تخالف إلى حد كبير ميل أصحاب تيار الهجرة التقليدي نحو الشمال إلى الاستقرار أو التوطن. ولعل هذا الفارق هو المسؤول عن المخاوف التي تساور مجتمعات الغرب، التي تخشى على نقائها العرقي الثقافي. وفي الحقيقة، تبدو هذه المجتمعات معتصرة بين هذه المخاوف وبين حاجتها الملحة إلى العمالة الوافدة.

من الواضح أن طيور الغرب تهاجر إلى الجنوب على نحو مؤقت، وربما كان هذا التيار من تجليات العولمة الاقتصادية.. لكن طيور الجنوب المتجهة إلى الشمال، لا تفتقر بدورها إلى العناصر الفنية عالية التأهيل والتميز.. هناك مثلا أكثر من خمسين ألف طبيب ومهندس عربي يعيشون في الولايات المتحدة، قيد العمل المستمر ورغبة التوطن واللاعودة إلى الوطن الأم.

وهذا يثير التساؤل المستفز حول أسباب عجز المجتمعات العربية عن استرداد هذه العناصر فيما هي تستقبل بدائلها من عالم الغرب؟! أين كلمة السر في عزوف خبرائنا عموما عن العودة واستثمار ملكاتهم في ازدهار أوطانهم؟ واذا كنا نحسب أن زمن الاستبداد وقمع الحريات وانتهاك الحقوق وغياب تكافؤ الفرص قد ساهم في هذا العزوف، فهل نطمع في حدوث العكس، لا سيما إن قدر للتحولات السياسية الفوارة عربيا، أن تستقر على مرافئ أكثر عدلا وديمقراطية؟