قيل إن المجتمع الإنساني بشكل عام يحتاج إلى وجود وتراكم المشكلات الاجتماعية، حيث إن ذلك يؤدي إلى نوع من أنواع الحياة والتحدي، كيف ذلك؟ ولماذا؟ أهي امتداد للأسطورة في عقلية الإنسان، أم أنها ركن من أركان البنية الاجتماعية، وقد تختلف نوعية المشكلات من مجتمع إلى آخر، ومن مرحلة إلى أخرى، فعلى سبيل المثال ما يعتبر مشكلة اجتماعية في مجتمع ما، لا تعتبر كذلك عند مجتمع آخر.

ولتقريب الصورة واقعياً دون الدخول في المنظور الفلسفي أو الكلامي، فإن تعليم المرأة وعملها لم يعد مشكلة في معظم أو أغلب المجتمعات العربية على حين أن ذلك كان مشكلة أساسية قبل نصف قرن من الآن، وخاصة في المجتمعات العربية في الخليج العربي، مما دفع المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم لإدخال بناته في المدارس مما دفع الآخرين إلى السماح للبنات بالتعليم، وهو ما يؤكد أيضاً على اهتمام المغفور له بالتعليم.

وكان التمييز العنصري والعرقي يعاني منه بعض من أفراد المجتمع إلا أن حركات التحرر وحقوق الإنسان، استطاعت أن تتغلب على معظم ذلك، من خلال التأكيد على مقولة النبي صلى الله عليه وسلم «لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى».

إن الحديث عن المشكلات الاجتماعية تتطلب دراية تامة من الباحث فيها، وأن يكون لديه إلمام تام في مجالات الاجتماع، الاقتصادية والسياسية وعلم النفس الاجتماعي.

إن للمرحلة العمرية التي يمر بها الإنسان، دوراً في طبيعة المشكلات التي يعاني منها، فهنالك مشكلات الشباب، ومشكلات الطفولة ومشكلات الشيخوخة، ومشكلات المرأة، ويرى البعض أن هنالك مشكلات ذات علاقة بالطبقات الاجتماعية المختلفة، ومن هذا المجال لعلنا نتذكر مقولة ماري انطوانيت، حينما رأت مظاهرة جياع فرنسا وهم يطالبون بالخبز، فقالت «فليأكلوا البسكويت بدلاً عن الخبز»، وهي نظرة طبقية لم تر أن الجوع هو الدافع للمطالبة بالخبز.

إن التغييرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هي مركب شديد التعقيد، وبالتالي يتطلب في الدرجة الأولى تحديد المشكلة، ومن ثم ارجاعها إلى عناصرها الأساسية، إن محاولة تفكيكها هي الخطوة الأولى نحو وضع تصورات عديدة لحالها، حيث إنها تشكل حلقات متماسكة.

استطاعت الدول الأوروبية في بداية القرن العشرين، أن تضع حلولاً للمحافظة على الأوضاع القائمة، لتلافي تكرار الثورات العاصفة ولمواجهة تيارات الحركة الاشتراكية حين ذاك، وخاصة بعدما تم تغيير النظام السياسي في روسيا، ألم تكن الثورة البلشفية تمثل بداية تاريخ جديد للإنسانية بغض النظر عن نتائجها الكارثية منذ أيام ستالين ولحقب عديدة، حيث شبّع الإنسان، وفقد حريته وتنامت الحركات العمالية في أوروبا بشكل عام.

لقد أدى ذلك إلى بروز ملامح دولة الرفاهية، وهي التي تجمع بين النظامين الرأسمالي من جهة والاشتراكي من جهة أخرى، ونجحت المملكة المتحدة في المحافظة على الأوضاع واجتاحت تلك العواصف بنجاح تام، واستطاعت الملكية الدستورية (البرلمان) الصمود.

إن الحديث عن المشكلات الاجتماعية، وتحت مظلة الشفافية والصراحة التامة، هي التي تساعد على معرفة العلل وكيفية حلها بالطرق العلمية المدروسة بعيداً عن العاطفة والمثالية وهي أبعد عن الواقع الذي يعاني منه الإنسان بالدرجة الأولى.

إن الباحث في أحوال المجتمع اليوم يرى العجب العجاب من أحوال الشباب، فهو ظاهرياً غربي المظهر، واكتسب سمات الاستهلاك من دون رادع، فازدادت مشكلاته المالية فهو يعيش في مرحلة المحاكاة، فالجميع يرغب في ركوب أفخم السيارات وأغلى الملابس دون مراعاة للوضع الاقتصادي لديه، وفي هذا المجال نجد أن الفتيات يبحثن عن أغلى الملابس والإكسسوار وركوب السيارات الفارهة إلا أن حساباتهن في البنوك تقع تحت خط الصفر إن لم تكن مدانة بآلاف الدراهم.

لقد ضاعت قيم التوفير، وضاعت معها مقولة التواضع و«مد الرجل قد اللحاف»، ومما لا شك فيه أن وسائل الإعلان المختلفة ساهمت في تعزيز الروح الاستهلاكية، وهنا نتذكر المثل القائل «من بره هالله هالله ومن جوه يعلم الله».

ولعل هذه الوضعية قد ضاعفت أرباح تجار البضائع المقلدة القادمة من شرق آسيا ومن بعض المراكز التجارية في الداخل، بالرغم من الجهود الكبيرة لمحاربة تلك البضائع المقلدة، التي تقوم بها الدوائر الاقتصادية.

فهل يعقل أن تقييم الناس للأفراد، أصبح يتحكم به المظهر قبل الجوهر.

إن تلك العوامل ساهمت في تدني النظر للمعلم وللإنسان المنتج وبالتالي أصبح التحصيل العلمي للجيل الجديد في مرحلة الخطر، ألا يدرك المجتمع أن العلم هو الباقي وهو الذي يحافظ على تقدم المجتمع، ألا يستوعب معظم الإعلاميين خطورة ما يجري في هذه المجتمعات.

المشكلات الكامنة هي الخطر الحقيقي الذي يهدد هذه المجتمعات، وأن الأوان قد حان لإزالة غطاء المجاري، حتى نشتم الرائحة القاتلة، قد تكون الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية هي من أفضل الأوضاع، إلا أن المهمة الأساسية هي المحافظة على ذلك، والعمل على استمرارها، ألم يقل القدماء إن النعمة زائلة إذا لم يحافظ عليها، وإن التفكير بعقلانية وعلمية هو الرادع لازدياد المشكلات الاجتماعية.