العمل في مجال السياسة بمثابة السير وسط حقول ألغام متنوعة التصاميم، مختلفة القوة، متباينة التوقيتات، وحين يكون السياسي في موقع الزعامة، تُرصد حركاته وسكناته وأقواله وأقوال القريبين منه بدقة، ليس من قبل الأجهزة الأمنية فقط، بل من قبل السياسيين الآخرين وأجهزة إعلامهم.

فالزعيم لا يخوض فقط صراعاته السياسية مع المنافسين من كتل أو أحزاب أخرى، وهي على أية حال معاركه الرئيسية، بل يخوض أيضاً صراعات داخلية قد تكون أشد ضراوة، رغم أنها قد لا تكون منظورة مع بعض القريبين منه، سواء من حزبه أو من التحالف القريب إليه.

في هذا السياق يبدو رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، الذي لا يتمتع بخبرة سياسية خارج الأطر المحدودة لحزب الدعوة في حقبة العمل السري، قد أوقع نفسه في شرك ساهم هو ومن حوله من المستشارين في إعداده. فهو لم يستفد من سنوات العمل السياسي العلني التي أتيحت فيها له ولحزبه، منذ سقوط النظام السابق، فرصة الخروج من إرث حقبة العمل السري وقيودها التي دامت لأكثر من ثلاثة عقود من السنين. فالبصمات التي تركتها تلك الحقبة على السلوك والتفكير، وعلى أساليب بناء العلاقات مع الآخرين، وعلى صناعة القرار، لا تزال عميقة التأثير والفاعلية لديه.

حفلت الأيام الماضية بحراك سياسي غير مسبوق في الساحة السياسية العراقية، كان شخص المالكي محوراً فيه، وذلك بعد أن أنضجت الظروف السياسية الحرجة التي يمر بها العراق، محلياُ وإقليمياً، عوامل الحسم في الصراع الدائر حول الحكم، بين ساع لإزاحته عن رئاسة الوزارة، وبين متمسك به لشخصه أو لأن الظروف التي يمر بها العراق قد جعلت منه أداة سياسية ينبغي الحفاظ عليها والتمسك ببقائها، ففي ذلك "نصرة للمذهب" وهو ما ورد علناً، للمرة الأولى، على لسان أفراد ومريدي حزب الدعوة الذي يتزعمه المالكي.

فعلى المستوى المحلي يواجه المالكي تهمة التفرد بالسلطة، والسير نحو إقامة دكتاتورية جديدة، وتهميش دور الآخرين لصالح دور حزبه، ووصلت علاقاته المختلة أصلاً مع الجميع، تقريباً، حافة الانهيار والقطيعة، مع الحلفاء والشركاء على حد سواء، حيث أخفق في الإيفاء باستحقاقات حصوله على منصب رئاسة الوزارة التي تعهد بها لضمان تجديد ولايته، وأخفق في إدارة الأزمات التي ترتبت على ذلك. أما على المستوى الإقليمي فلم يتبق للعراق من حلفاء سوى الجارة الشرقية، التي لم تعد تكتفي بإملاء إراداتها، بل تجاوزت ذلك إلى الدعوة لضم العراق إليها.

يحظى الوضع السياسي في العراق بأهمية استثنائية، لأنه بلد له أهمية خاصة على المستويين الإقليمي والدولي، بسبب الدور الهام الذي لعبه في الماضي والذي يمكن أن يلعبه في المستقبل في خارطة التوازنات الإقليمية، من جهة، وبسبب الثروة النفطية التي يمتلكها والتي تعتبر الثانية من حيث حجمها في العالم من جهة ثانية.

وبسبب حرص الولايات المتحدة على تلافي فشل النموذج الديمقراطي الذي زرعته وعقدت الآمال على تسويقه إلى دول المنطقة، من جهة ثالثة. ولأجل ذلك كله فهو يحظى بدراسات تتناول محاور مختلفة، تتعلق بمختلف شؤونه وشؤون أحزابه وقياداته.

وفي خضم ذلك يحظى رئيس الوزراء الذي منحه الدستور أوسع الصلاحيات، باهتمام خاص في هذه الدراسات لا يتوقف عند حد تقييم إنجازاته وإخفاقاته فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى دراسة النواحي النفسية والسلوكية التي يمتاز بها، لعلاقتها الوثيقة بالقرارات التي يتخذها والتي أوصلت الوضع السياسي في العراق إلى حافة الانفجار.

نقتبس في هذا الصدد جملة وردت في مقالة نشرها الكاتب جيمس تروب، في السابع والعشرين من أبريل المنصرم في مجلة "فورن بوليسي" الأميركية، مفادها أن "لدى رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قدرة غير عادية على صنع الأعداء". وفي هذا تقييم لمنهج المالكي في بناء العلاقات مع الآخرين، يتفق فيه الكاتب إلى حد كبير مع ما سبق وذهب إليه جوست هيلترمان، مدير مشروع الشرق الأوسط لمجموعة الأزمات الدولية، من أن "العلاقات الشخصية بين المالكي والجميع علاقات رهيبة".

والحقيقة أن هذا التوصيف فيه الكثير من الواقعية بالنسبة لسلوكيات شخص قضى جل حياته السياسية في العمل السري خارج العراق، قلِقاً مما قد يأتي به الغد، مُوظفاً التوجس والارتياب في كل ما يتعلق بعلاقاته مع الآخرين، واضعاً الهاجس الأمني في مقدمة خياراته لحماية نفسه وحماية حزبه. فتركيبته الذهنية وليدة سيكولوجية خاصة لقيادي في حزب سري تعرض لأشد أنواع القمع والتصفيات الجسدية، وانغلق على نفسه وعلى ثقافته وتراجعت من أفقه، تبعاً لذلك، جميع الألوان المتوافرة في الطيف، لتبقي فقط على الأسود والأبيض.

للأحزاب السياسية تقاليد متباينة، تتناغم مع طبيعتها ومع فلسفتها ونظمها الداخلية. ففي أجواء الحزب الشمولي الذي دأب على العمل السري وأدمن ممارساته على مدى أمد طويل، اعتاد أعضاء الحزب النظر بإعجاب وانبهار إلى من له تاريخ طويل في معاناة جور السجون أو قساوة التعذيب أو مرارة التشرد من أجل مبادئ الحزب. فهؤلاء يشغلون موقعاً حميمياً وأثيراً في نفوس وفي أذهان زملائهم، ومن هكذا منطلق تصبح فرصهم أكبر من فرص غيرهم للتقدم في السلم الحزبي، وصولاً إلى المراكز القيادية.

وهذه الحقيقة على قدر كبير من الأهمية والخطورة في الوقت نفسه، فحين تزول الأسباب التي دفعت بحزب معارض للذهاب إلى العمل السري ليصبح في ظل ظروف أخرى في سدة الحكم، تُخلق ظروف وأجواء سياسية جديدة تتطلب قدرات ومهارات قيادية تتناسب مع المرحلة الجديدة.

ويصبح إرث الماضي الفكري والسلوكي والنفسي، في أغلب الأحيان، عامل إعاقة أمام عمل هذا الحزب، يُدخله في متاهات ومتاعب إن لم يتمكن من التخلص من شباكها. فتوافر القدرات على الصمود وتحمل مشاق ومعاناة التشرد دفاعاً عن المبدأ، في شخص معين، ليست معايير كافية لتولي هذا الشخص مسؤولية البلد وقيادته، التي تتطلب التمتع بأفق فكري واسع متفتح على الغد، وليس على الأمس، متفهم لسمات العصر ومتفاعل بإيجابية مع روحه وثقافته.