تعد الترجمة الصوتية، أو محاكاة اللفظ بلغة أخرى، فرعا من فروع الترجمة. والترجمة، من وجهة نظري، فن وليست علما، والمبدأ نفسه ينطبق على الترجمة الصوتية.
يجب أن يلتزم المرء، في بعض الأحيان، بقواعد صارمة محددة في الترجمة الصوتية، وفي أحيان أخرى يكون من السخرية القيام بذلك. سأعطيكم مثالا على ذلك؛ لنأخذ أسماء بعض العرب المشهورين، ولنفترض كتابة مقالة لإصدارها في مجلة تتوجه للقارئ العادي. ولنقل إننا نكتب مقالة عن القصة القصيرة في الأدب العربي الحديث، ونرغب في ذكر اسم الكاتب السوداني الشهير، وهو الرجل الذي كتب رواية "موسم الهجرة إلى الشمال".
لكن في سبيل خدمة أهداف المقالة، نرغب في ذكر عنوان القصة وهو "دوم ود حامد"، الذي يفترض في رأيي أن يكتب باللغة الإنجليزية على الشكل التالي "The Doum Tree of Wad Hamid. ومن جهة أخرى، إذا كانت الكتابة مقالا متوجها لاختصاصي في اللغة العربية، فإنه يجب كتابة كلمة "Hamid" مع نقطة تحت حرف "h"، لتبيان أنها شكل من أشكال الحرف "ح" الذي تمتاز به اللغة العربية، والذي يصادف وجود حرف آخر منه "h" يساوي الحرف "هـ" في اللغة الإنجليزية.
وتحتمل كلمة "Hamid" في اللغة العربية احتمالين، يمكن كتابتها بطريقة يجري فيها لفظ حرف العلة "أ" بمد الحرف، أما إذا كتبت بطريقة أخرى، فيلفظ حرف العلة بطريقة مقصورة.
والشيء نفسه ينطبق على حرف العلة الثاني "ي"، الذي يمكن في اللغة العربية أن يلفظ بالمد أو القصر. وفي الواقع، بحثت في القاموس العربي عن كلمة "دوم" ووجدت أن ترجمتها، في سياق المعنى الذي ترد فيه، تفيد معنى "النخلة الهالكة". أما في ما يتعلق بكلمة حامد، فإنها تعني في سياق المضمون الذي وردت فيه اسم القرية، لكن يمكن أيضا أن تكون بشكلين، إما بمد الحاء وقصر الميم (حامد)، أو بقصر الحاء ومد الميم (حميد).
لكن بالنسبة للقارئ غير الخبير في اللغة العربية، فإن مثل هذه الجماليات تفقد معناها، ويحدث أن كلمة "حامد" في هذه الحالة، تلفظ بحرف العلة الممدود في بداية الكلمة، لكن ليس لهذا الأمر أهمية تذكر بالنسبة للقارئ العادي.
ثم نأتي إلى عمل يتصف بمزيد من التعقيد في كتابة اسم كاتب القصة، وهنا اتبعت في العادة تقليد كتابة اسم الكاتب كما يخطه هو بنفسه، عندما أتعامل مع الموضوع في سياق اللغة الإنجليزية، والكاتب اختار تبسيط الموضوع من خلال كتابة اسمه بهذه الطريقة "Tayeb Salih" عند استخدامه الحروف الإنجليزية.
لكن الاسم يأخذ بعدا مختلفا كليا عندما يجري توظيف "الف باء" اللغة العربية. ويحدث أن اسمه يبدأ بما يعرف باللغة الإنجليزية بـ"أداة التعريف"، وبسبب خصوصية اللغة العربية والطرق التي تختلف فيها عن اللغة الإنجليزية، لا يمكن الإشارة إليها بطريقة تفيد المعنى لمن لا يعرف اللغة العربية.
وبالتالي، تصبح الترجمة الصوتية لاسم الكاتب بشكل دقيق على الشكل التالي: "at-Tayyib Salih"، وهذا يتطلب وضع نقطة تحت حرف "t" في الأساس، ونقطة تحت حرف "s" في الاسم الثاني، و"شحطة" على حرف العلة "a"، ونقطة أخرى تحت الحرف "h". لكن، كل هذا لا معنى له بالنسبة إلى شخص لا يفقه اللغة العربية، وبالتالي يكون تزويدنا بكل هذه الحركات إرباكا للقارئ العادي.
وأنا شخصيا، خضت تجربة ترجمة كتاب قصص قصيرة من اللغة العربية، وإعادة إصدارها في الولايات المتحدة بمقدمة مطولة لمستعرب معروف، ولقد شدد في المقدمة على تبيان أنني في كل مرة قمت بكتابة أسماء الكتاب المختلفين الذين يعرض المجلد أعمالهم، فشلت في كتابتها بشكل صحيح. ثم قام بعرض عمودين يحويان أسماء الكتاب، أحدهما يبين الشكل الذي أعطيته لاسم الكاتب، وإلى جانبه لائحة أخرى تدعي إعطاء أسماء الكتاب كما يفترض كتابتها. لكن، في كل حالة من الحالتين، سنجد أن الشكل المعطى يعتمد على الطريقة التي اختارها الكاتب لكتابة اسمه، عند قيامه بكتابته بالأحرف الإنجليزية.
باختصار، القضية كلها بسيطة جدا، وتعتمد على الشخص المستهدف من الكتابة والهدف الذي تكتب من أجله. والهدف من الترجمة، والترجمة الصوتية أو محاكاة اللفظ بلغة أخرى، هو مساعدة القارئ، وليس ادعاء الاختصاص بموضوع قد لا يهم القارئ.
ومجددا، الأمر يعود لواقع أن الترجمة الصوتية، مثل الترجمة، تعد فنا وليست علما، ويعود للمترجم اتخاذ القرارات بشأنها بناء على الأسباب الموجبة.