هذا ما عنيته وقصدته في مقالي المنشور الأسبوع الماضي تحت عنوان "عن أي ديمقراطية تتكلمون؟"، حيث عرضتُ الفوضى والغوغائية التي تشقى بها مصر اليوم، دون المساس بسلامة النوايا ـ إن وُجِدت ـ عند قيام الثورة، فما قصدته هو المليونيات التي تعمّ الشوارع كل يوم لتحقيق أهداف وأغراض شخصية أو حزبية، مبنية على تحقيق المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة.

وما عنيته أيضاً، هو ما يحصل من تظاهرات فئوية تستهدف تحقيق مصالحها على حساب الإضرار بالغير. ولست في إطار عرض كل هذه الإضرابات ولكن أشير إلى بعضها، ومنها ما استهدف السفارة الإسرائيلية حال اعتدائها على جنود مصريين يقفون على حدودها.

وبغض النظر عن كم وحجم العداوة العربية الإسلامية مع إسرائيل، كان لابد قبل أن يصار إلى الاعتداء على السفارة الإسرائيلية أن ينتظر المحتجون نتائج المساعي الدبلوماسية التي تحكم علاقات الدول والشعوب، ثم إن الاعتداء على السفارة الإسرائيلية كان قد تجاوز حدود الاحتجاج الطبيعي ليصل إلى حد دخول السفارة وإحراقها وإنزال علمها من سطحها، وهذا لا يُعدّ احتجاجاً مقبولاً دبلوماسياً.

وما أستغربه أن المصريين هنا ركزوا على مثل هذا الاعتداء في هذا التوقيت وكانت ردة فعلهم بهذا الحجم والكمّ، في حين أنهم كانوا ومازالوا جيراناً لفلسطين طوال سني الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ولجزءٍ من أراضي مصر كذلك، ولم يبادروا لارتكاب مثل هذه الأفعال أو الاحتجاجات، حفاظاً على الأمن والسلامة الدوليين.

ولكي لا يقال عني أنّي مناصرٌ لإسرائيل ومواقفها، فإنني وإن كنت أعترض على مثل هذا التصرف لأني رجل قانون في المقام الأول وأفهم تماماً مدى العلاقات الدبلوماسية والروابط والمواثيق التي تحكم مثل هذه العلاقات، إلا أن داخلي ربما ينتابُه شيء من الفرح الممزوج بالقلق على أحوال مصر في ظلّ هذه التصرّفات، فالفرح لإنزال العلم الإسرائيلي، أما القلق فمن ترك الفرصة لإسرائيل لأخذ مثل هذا التصرف ذريعة للاعتداء على مصر، وهي مشغولة في أمنها الداخلي.

وثاني هذه الاحتجاجات هو تظاهرات موظفي أحد الموانئ العاملة في مصر والتي تدار من قِبل شركة موانئ دبي العالمية، وخروج هؤلاء العاملين للزج باسم الإمارات ودبي في خضم هذا المعترك من خلال وسائل الإعلام المختلفة، رغم يقيننا بما تقدمه الإمارات لمن يعمل تحت سلطتها من مزايا ومنح ربما تفوق الكثير من القطاعات الأخرى العاملة في ذات الدولة، وبحمد الله تعالى لم يصل الأمر إلى حد الوقوف أمام السفارة الإماراتية في مصر، كون هذه الفئة من العاملين قد خرجت لتحقيق أغراضها الفئوية وحسب.

وأخيراً ما حصل خلال هذا الأسبوع من اعتداء على السفارة السعودية في مصر، والتعدي على ذات العاهل السعودي من قِبل أشخاص يزعمون حمايتهم لشخص مصريٍّ تمّ القبض عليه في المملكة السعودية وبحوزته مواد مخدرة.

فأقام بعض وسائل الإعلام المصرية الدنيا ولم يقعدها، زاعمةً أنها تعمل للمحافظة على كرامة المصريين في الداخل والخارج، وركزت جميع أجهزتها الصورة على الشخص المُتّهم والذي لم يتمّ البت في قضيته بعدُ، وأثارت وهيجت الرأي العام المصري قبل أن ينطق القضاء فيه بكلمته، وخرج من يقول إن هذا المحامي المقبوض عليه بتهمة حيازة المخدرات.

ما قبض عليه إلا أنه أقام بعض الدعاوى على المملكة العربية السعودية، فكانت ردة فعل المملكة أن اتهمته بهذا الاتهام وهو ذاهب إليها معتمراً. ويُردّ على هؤلاء بأن السلطات إذا أرادت أن تظلم شخصاً وقبلت بمبدأ الظلم، فلها ألف طريقة وطريقة للاقتصاص منه، فهذا شخص يجابه دولة.

وكان بإمكان المملكة العربية السعودية أن تبعث من يغتاله مثلاً، أو تُرسل أشخاصاً أشدّاء يضربونه ضرباً مبرحاً يحيله إلى معاق أو غير ذلك، أو ان يلفقوا له قضية في مصر بدلاً من أن يضبطوه في دولتهم.. ثم إننا أيضاً يمكن أن نفكر بخلاف ما فكر به المدافعون عنه، أن السعودية لفقت له تهمة كردة فعل على الدعاوى التي أقامها المحامي المذكور ضدها.

فنقول إن صدق هذا الزعم فلماذا لا يكون قد أقام مثل هذه الدعاوى ضد السعودية لكي يخلق جواً عدائياً في الظاهر ليتمكن خلف الكواليس من تحقيق جريمته، وحال القبض عليه يقوم الرأي العام ليقول إنه بريء وأن القبض عليه كان ردة فعل على جرأته في مقاضاة دولة معينة؟.

ومن هذه المهاترات أن يخرج علينا نقيب المحامين المصريين ليقول "إن جُلِدَ الجيزاوي فسوف نجلد السفير السعودي"، فأي إسفافٍ في الرأي والمنطق يتكلم به رجل قانون يفترض أن لا يتدخل في عمل القضاء إلا من جهة الدفاع، والدفاع يكون مبنياً على أسس وقواعد قانونية ومنطقية لا تهديد فيها ولا وعيد، ولا يحوي دعوة للتفرقة بين الإسلام والعروبة.

ولنر أيضاً إحدى مقدمات البرامج على قناة خاصة مصرية، تقول: نحن لا نريد أن يصل الأمر إلى هذا الحد، ولكن لا تغضب حكومة السعودية فقد قامت ضدها تظاهرات من قبل في الدنمارك وبلجيكا، واعتبرت ذلك من المُسَلَّمات التي تبيح الاعتداء على سفارة أي دولة كانت.

وللأسف فإن مقدمة البرامج تلك لم تسأل نفسها لماذا احتج المتظاهرون في بلجيكا والدنمارك ضد السعودية؟ وأجيبها بأن تلك التظاهرات كانت بسبب الوقفة السعودية والعربية والإسلامية لمقاطعة منتجات هذه الدولة أو تلك، والتي اعتدت على ذات سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، فكان موقف المحتجين ضد السعودية موقف احتجاج على تصرف المسلمين كافة في ذاك الوقت، وليس موقف المحتجين على شخص متهم في قضية جنائية، لأنه محسوب على شباب الثورة.

كفانا أيها السادة والسيدات مهاترات وسخافات لا يقبلها العقل ولا المنطق السليم، فإن هذه المصائب والمجريات ما كانت لتحصل من قبل، ولكن حصلت اليوم لأن البعض يزعم أنه بهذه الطريقة يحقق معنى الديمقراطية وأهدافها، ونحن نقول إن كانت الديمقراطية الجديدة والتي تنشدها الشعوب بهذا الكم والكيف من السخافات والمهاترات والغوغائية، فسلام على الدنيا، ووداعاً للديمقراطية.