بالنسبة للأخوة العرب تقف تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة شاهداً وأنموذجاً على المتغيرات الديمغرافية الجذرية التي شهدتها مجتمعات الخليج بعد النفط. فالتنمية الهائلة والتطورات الاقتصادية المتلاحقة واللهاث وراء تنمية قطاع البناء والعقار جعل من هذه المجتمعات محط أنظار العالم.
وبالتالي جذبت لها عمالة مختلفة الأجناس والاعراق معظمها غير عربي. وبالرغم من أن جميع مجتمعات الخليج كانت موضع جذب للعمالة الأجنبية، وخاصة الآسيوية، إلا أن دولة الإمارات تشكل أنموذجاً متميزاً ومغايراً ومختلفاً عما تشهده دول الخليج الأخرى. فهذه الدولة شهدت نمواً ضخماً في فترة زمنية قياسية قصيرة الأمد الأمر الذي جعل من تجربتها تجربة ثرية ومختلفة.
لذا شهدت هذه الدولة بالتحديد متغيرات ديمغرافية هائلة خلفت وراءها وضعا سكانيا فريدا ومحيرا بالنسبة لأهل البلاد الاصليين وللمراقبين لهذه التجربة وخاصة المراقبين العرب. فهم من ناحية معجبون ومنبهرون بهذه التجربة العربية الرائدة والفريدة.
والتي جعلت من الإمارات أنموذجا تنمويا مغايرا عما يشهده بقية العالم العربي، ولكن من ناحية أخرى فهم أيضا في مواجهة أنموذج لتجربة تنموية خلفت وراءها آثارا سلبية كثيرة ومنها ذلك الوضع السكاني المحير الذي لا يستطيعون تفسيره.
الأخوة العرب يتساءلون عمّا إذا ما كانت حاجات مجتمعنا الصغير تتطلب كل هذه العمالة الاجنبية والتي تحولت الى طوفان بشري هادر يكاد يطمس هوية البلد؛ هم أيضا يتساءلون عن مستقبل عروبة هذه المنطقة التي وضعها هذا الطوفان البشري على المحك وأمام اختبار صعب لا تعرف تجتازه أم لا خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار منابع هذه الهجرة ومعظمها آسيوي طبع الإمارات على المديين القصير والطويل بطابع خاص.
الأخوة العرب أيضا يتساءلون عمّا إذا كان ما يحصل عندنا هو نتيجة سياسات تنموية اختيارية أم نتيجة سياسات إجبارية وجدنا أنفسنا مجبرين عليها، وبالتالي هي ما سبب لنا هذا الوضع السكاني المتأزم الذي على الإمارات أن تتعامل معه الآن بكل حكمة حتى تخرج منه دون دفع ضريبة أمنية وسياسية باهظة.
أسئلة خارجية كثيرة في مواجهة أخرى داخلية لا تقل ثقلاً وصراحة وجرأة عن تلك الآتية من الخارج، بعضها يحتاج منا الى وقفة صريحة نشرح فيها ما حصل وما يجب أن نتوقعه، والبعض الآخر يحتاج منا الى توضيح وتفسير ملزم، خاصة أنه يسبب لنا حرجا كبيرا وجرحا غائرا، خصوصا ونحن في مواجهة عمالة عربية كثيرة عاطلة عن العمل.
ولكنها لا تجد باباً تنفذ فيه الى أرض الخليج بالسهولة التي تنفذ فيها العمالة الآسيوية. ولكي نضع الجميع في الصورة الحقيقية لما يجري ويحصل عندنا من متغيرات ديمغرافية، علينا أن نفسر لهم تلك الأوضاع جيداً ونشرحها ملياً من أجل صورة أكثر وضوحاً وجلاء.
نقول لهم بأننا وجدنا أنفسنا أمام هذا المأزق السكاني نتيجة تضارب في السياسات التنموية أدركنا فداحتها وبدأنا في مراجعتها، وأننا وجدنا أنفسنا في هذا المأزق نتيجة لأسباب اقتصادية وتاريخية معينة، بل إننا وجدنا أنفسنا أمام هذا المأزق نتيجة لأسباب كثيرة بعضها يصعب شرحه والبعض الآخر يصعب توصيفه ووضعه في الإطار الصحيح. نقول لهم بأن هذا الوضع السكاني يسبب لنا الكثير من القلق ويخلق حولنا حالة من الجدل الدائم :
فالبعض يعتقد بأننا نغرق في حالة من التشاؤم وأن ما يحصل هو نتيجة طبيعية لحالة التنمية الكبيرة التي شهدتها المجتمعات التي لم تكن تمتلك قبل النفط أدنى شيء، بدءاً من البنية التحتية وحتى المشاريع الصغيرة التي تسير الحياة اليومية، وبالتالي فإن ما يحصل هو تغير وقتي تنتهي فيه هذه الحالة بانتهاء أسبابها.
والبعض الآخر يعتقد بأننا نغرق في حالة من التفاؤل، وأن الحاصل عندنا هو كارثة قومية، لا ولن نستطيع الخروج منها دون دفع ضريبة باهظة الثمن ندفع نحن جزءاً منها وتستكمل دفع بقية أقساطها الأجيال القادمة. وبين هذا الرأي وذاك، وهذا التفسير وذاك نقف نحن شعوب المنطقة حائرين غير قادرين على تفسير هذه الأوضاع الديمغرافية أو ردها الى أي أساس مقبول.
ولكن بين حالة القلق واللاقلق، وحالة اليقين واللايقين ـ تظل تجربة الإمارات شاهداً كبيراً على حجم المتغيرات التي شهدتها مجتمعات الخليج الجديدة في عصر النفط. فالأوضاع الديمغرافية التي تشهدها الإمارات هي أهم مثال حي على حالة التغير التى تشهدها مجتمعات الخليج الجديدة وهي أيضا شاهد على حالة القلق التي تجتاح الانسان العربي من أي متغير طارئ؛ إنها أنموذج للمتغيرات البنيوية التي تشهدها المجتمعات العربية بصورة عامة.
نحن لا نستطيع القول بأن تجربة الإمارات هي تجربة تنموية خاطئة، كما لا نزعم أننا أمام تجربة مثالية خالية من العيوب، ولكن يمكننا القول إننا أمام تجربة عربية لها إيجابياتها ولها سلبياتها، تجربة اجتهدت في تقديم الافضل والسعي نحو الأحسن وطلب العلا في كل شيء. إنها تجربة اجتهدت في أن تسعد شعبها وأن توفر له كل سبل الرخاء والسعادة ليصبح الشعب الأسعد عربياً. تجربة الإمارات على الرغم من تأثيراتها الديمغرافية هي تجربة عربية اجتهدت في أن تمد يدها الي محيطها العربي والقومي .
ولم تقصر في هذا المجال منذ تأسيسها على يد الرعيل الأول كزايد وراشد، وحتى هذه اللحظة. لكننا أيضاً نقول بأننا أمام تجربة تنموية غنية لا بد أن يكون لها إفرازات سلبية على محيطها المحلي والقومي ولا بد أن تتعلم من كل تلك السلبيات دروس وعبر تستفيد منها في مستقبل أيامها.
أننا نحتاج إلى تكثيف الدراسات الديمغرافية في الخليج عامة وفي الإمارات بصورة خاصة حتى نخرج بصورة أوضح عما يحصل لدينا من متغيرات سكانية تفيدنا في التخطيط الجيد لمستقبلنا ومستقبل أجيالنا القادمة ولمعرفة الآثار السلبية والايجابية لهذه المتغيرات. بهذا نكون قد استفدنا من كل متغير مجتمعي وطوعنا تلك المتغيرات لصالحنا وصالح مجتمعنا.