مرحلة عدم الاستقرار السياسي في الوطن العربي، أصبحت السمة السائدة في الوقت الراهن، بالرغم من السكون الظاهري، وربما يكون ذلك مدعاة للقلق لدى قطاعات عديدة من قطاعات المجتمع، سواء السياسية أو الاقتصادية وحتى الاجتماعية، وكأن هذه الأجواء الملبدة بالغيوم السوداء الداكنة إنذار مبكر لقدوم البرق والرعد.
وهما يشكلان الخوف لدى الإنسان والحيوان على حد سواء، إلا أن الكلاب بالدرجة الأولى تدرك الخطر قبل قدومه، لذا فإن الإنسان يثق بها في رصد الأحوال الجوية، ولا ندري ما العوامل التي يحملها هذا الحيوان الأليف في أغلب الأحوال إلا أنه شرس في حالات أخرى، ويبقى الأكثر وفاء من أغلب البشر.
هل وصل الإنسان العربي إلى حالة من اليأس والخوف، وأحياناً اليأس الشديد؟! أم أنه يستعد لخوض معركته المعاصرة لتحطيم الأصنام الجديدة في العصر العلمي الحديث، وبات قاب قوسين أو أدنى من التقدم بالخطوة الأولى، نحو المسك بزمام الأمور وتحديد مصيره، بل مصير المجتمع ككل،.
والابتعاد عن كل المخدرات التي ساهمت في نشرها معظم وسائل الاتصال، وخاصة المرئية منها قبل المسموعة والمقروءة، حيث إن الأمية بمفهومها الجديد هي السمة الغالبة على أغلبية الإنسان العربي، ولم تعد تلك الوسائل تقدم له وجبة ثقافية تسهم في زيادة الوعي والشعور بالواجبات الوطنية والإنسانية، وإن فترة الاسترخاء قد طالت.
هناك تركيز إعلامي على مجموعة من المبدعين والمفكرين، وكأن الأمة العربية والإسلامية قد أصابها العقم، ولم تخرج من رحمها مبدعين جدداً ومفكرين آخرين، وهم بذلك يخسرون نواة المستقبل، وتدفعهم للهروب والنجاة نحو الخارج، قد يكون موضوع هجرة الأدمغة هو القديم والجديد في آن واحد.
لقد لعبت المحسوبية والشللية دوراً في خلق حالات الإحباط، وهي مقصودة وبتعمد من قبل البعض، وربما دون ذلك، إلا أن النتيجة واحدة في كلتا الحالتين.
ودارت المعارك الكلامية في الفضاء، وكأننا نعيش حرب النجوم، والتي قد تصل في بعض الأحيان إلى استخدام الأيدي وغيرها من الأدوات الأخرى، لإثبات همجية المتحاورين وعدم صلاحيتهم.
لقد باتت صناديق الاقتراع والتصويت تفوح منها الروائح الكريهة النابعة من التزوير والتلاعب بأصوات الناس، والمُبكي أن من يتباكى على الديمقراطية وحرية الرأي حالياً هم من ساهموا مباشرة في عملية الإجهاض، والآن يلبسون قناعاً جديداً برّاقاً يدعو إلى الشفافية وكسر قيود القمع والإرهاب ونفي المخالف. ألا يدرك أولئك الأفراد أن للإنسان ذاكرة قوية لا تنسى من أساء إليها فترة من الزمن، حينما كانوا جبروتاً يعتقدون أنهم لن يهزموا ولن يتركوا كرسي السلطة.
الحياة اليومية تؤكد أن لا تجديد ولا إصلاحات قام بها أولئك، بل لعبت وسائلهم الإعلامية دور المضلل والمطبل دون خجل أو خوف من انقلاب وتغيير الأوضاع السياسية بالدرجة الأولى، وما يعقبها من تغييرات من المجالات الأخرى.
لكن ببطء شديد، إلا أنه كقطرات الماء التي تذيب الجبال الشامخة!! إن التاريخ البشري يؤكد أن الانهيار يمر بمراحل قد لا يدركها قمة الهرم، إلا أنها مثل الأرضية التي تأكل الخشب من الداخل بهدوء تام، وتقوم بذلك من دون ضجيج أو حركة ملحوظة، إلا أنها تؤكد المقولة الإنجليزية، إنها بطيئة ولكنها مؤكدة.
ولعل البعض يطرح سؤالاً حول دور البطانة الفاسدة التي تعطي تقارير غير واقعية حول الواقع، وتصور لمتخذي القرار صورة وردية، وكأن الإنسان يعيش في دنيا الفردوس الأرضي، وأنه قد تم القضاء على الفقر والجهل والبطالة والتمييز، سواء العنصري أو الجنسي (ذكور، وإناث)، لقد تقدمت الأمم علمياً وأدبياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً حينما أدركت أن ذلك يضعه الإنسان الحر، والمرتبط بتراب وطنه، ولن يخلفه آخرون، اللهم إلا أن قلة منهم من يمتلكون المعرفة العلمية الحقيقية.
ألم تُبتَلَ المجتمعات العربية في الخليج العربي بالعديد من الأجانب، ممن قاموا بتزوير الشهادات والخبرات وضحكوا علينا دهراً من الزمن، فتراجع التحصيل العلمي الحقيقي، وبرزت القشور والزبد على السطح، وتم استخدام المعاول لهدم الهوية الوطنية العربية، وللأسف لا يزال الاعتماد على أولئك قائماً، وعليك مراجعة التعيينات الجديدة في العديد من الدوائر والمؤسسات، سواء الحكومية أو القطاع الخاص!!
إن صرخة المظلوم تصل إلى السماوات بأسرع من البرق، وتحدث زلزالاً على الأرض، فهل يعقل أن أعداداً هائلة من حَمَلة المؤهلات العلمية في كافة المجالات هم جزء من العاطلين من العمل، وبات الجميع يدرك النتائج السلبية لذلك، فماذا ستكون الأوضاع بعد عدة من السنوات مع تزايد أعداد الخريجين؟!
على مؤسسات المجتمع المدني القيام بالإعداد إلى مؤتمر وطني عام يناقش فيه أسباب ونتائج البطالة من جديد، وأن يشارك فيه الجميع بهدف وضع الحلول الناجحة، سواء في إعانة أولئك مالياً وتحمل المؤسسات الصحية نتائجها نفسياً وعقلياً وبدنياً، وهي أمراض العصر الحديث.
قد يعتقد البعض أن عصر العولمة يتطلب ما هو كائن حالياً، وأن عصر الوطنية والقومية والإنسانية قد أصبح جزءاً مركوناً في متحف التاريخ، ألا يدرك أولئك أن العديد من الأمم قد عادت إلى طرح مقومات الأمة من جديد، وأنها تعد الخطط والبرامج لإعادة ذهنية وعقلية أبنائها للعودة إلى الجذور، فها هي الروسية والألمانية والفرنسية والصينية وغيرها تبرز في وسائل إعلامهم.
وبقوة، لإعادة الإنسان لوعيه والعمل لترسيخ الهوية الوطنية والشعور بالانتماء الوطني ومحاربة دون ذلك بكل الوسائل. لعل الخطوة الأولى، هي الاهتمام بالطفل وترسيخ مقاومات الشخصية الوطنية لديه، فهو المستقبل، وإلا فهي بداية النهاية.
إن إعادة الاعتبار للطبقة الوسطى في المجتمع، هي في الأساس خط الدفاع الأول ضد التطرف، سواء الديني أو القومي أو العنصري، حيث إن الحراك الاجتماعي يحيي المجتمع، ويجعل العجلة تدور نحو الأفضل، وإن التلاعب بالتناقضات تؤدي إلى الهلاك والفناء والموت، وهذه التناقضات هي السرطان الذي يقضي على الإنسان من دون أن يدرك ذلك، لكن اكتشافه مبكراً هو العلاج الناجح.