العدمية قراءة لمفهوم يتعلق بالزمن، فالمعروف أن الزمن الفيزيائي يمتد من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل، والعدميون هم الذين يقفزون على أحد هذه المستويات.
إن من يقرأ التاريخ قراءة استطراد بين الماضي والحاضر والمستقبل، فإنما يقرأ التاريخ بروحية التفهُّم والتمثُّل لنواميسه، أما الذين يقرأون التاريخ من خلال القطيعة مع الماضي، أو عدم التطلع إلى المستقبل، أو من خلال الإقامة في الماضي، أو الاعتقاد بأن الحاضر قد أنجز كل شيء.. هؤلاء هم العدميون. هؤلاء هم الذين يقومون بتقطيع أوصال الزمان، بما يؤدي إلى تقطيع أوصال المكان، ويؤدي إلى إنكار الترابط بين الأجيال، فتنتفي المعاني، وتزداد الحيرة، ويصبح الاشتباك غير الحميد مع الذات والآخر، سمة سائدة في المجتمع.
ولهذا السبب أرى أن ظروف التحولات الكبرى التي يشهدها العالم العربي، اختبار كبير لمثل هذه الأسئلة..
وهي في سائد أوضاعنا تعكس نوعاً من الاستدعاء السلبي للزمان والمكان، مزاجها إقامة سلبية في الماضي، وتشويه للحاضر، ونُكران للمستقبل.
لدينا مشكلة حقيقية في الثقافة العربية، تتلخّص في سيادة ثقافة الاستدعاء للماضي، مقابل انتفاء ثقافة المراجعة، وهذا النوع من الاستدعاء الميكانيكي الخطّي للماضي، ينطوي على وهم كبير مداه أن الماضي لديه الجواب الجاهز الناجز لكل سؤال عصري، ولكل سؤال مستقبلي. وفي هذا درجة كبيرة من الخطأ الابستمولوجي، والمخاتلة المفاهيمية.. ذلك أن الماضي له إشارات تدل على الحاضر والمستقبل، لأن الماضي سيظل موجوداً في الحياة، وحاضراً بكيفيات مختلفة.. والاستدعاء للماضي إن لم يكن مقروناً بالمراجعة لهذا الماضي، فسنجد أنفسنا في منطقة رمادية مُتضببة الرؤية، كتلك التي نراها الآن ونحن في ذروة سعير الفاجعة، والحرب المُعلنة بين الظلام والظلام.
في أحوال العرب الماثلة حالة من الرفض العدمي لمفاجآت الثقافة العالمة، ولشواهد الانتماء العضوي الموضوعي للحقائق الزمانية والمكانية، فهذه الحقيقة ليست معطىً ناجزاً يتناسب مع مزاجنا وذاكرتنا المتخمة بالأساطير، ولكنها ناجزة السطوع في الماضي الحميد الذي شوّهناه عبر التلاقح القسري مع العصر، فلا كان الماضي، ولا كانت الدولة العصرية.. أما الحاضر فشأنه شأن الماضي المُشوّه، لأن وجهي العملة الزمنية يتكاملان ويتقاطعان. من يُشوّه الماضي سيُشوّه الحاضر، جبراً لا خياراً.
الذاكرة الماضوية الناصعة أساس الحاضر السّوي، والمُستقبل النائر، وبالتالي كانت عقيدة التطور أو أيديولوجيته هي الأيديولوجية المستقبلية، وهي في نهاية المطاف ليست مستقبلية، إلا لأنها تتكئ على مفردات من الماضي، وتعترف بحقيقة وجودها في الحاضر، وترى الحاضر بوصفه حاضناً للأحلام المستقبلية من جهة، والحقائق التاريخية من جهة أخرى.
في زمن التحولات العاصفة التي تجري في العالم العربي، لا بد من أن نستوعب هذه المعادلة بشكل دقيق، وأن نتخلّى عن ثقافة الاستدعاء الميكانيكي لما هو ماضوي، واليقين الواهم بأننا سنجد الجواب في الماضي.
وفي المقابل، علينا أن لا نقع في مصيدة القطيعة مع الماضي، كما فعلنا أكثر من مرة في ظل التحولات التي مرت على الساحة العربية، ومثالها الفولكلوري اليمن. عندما غادر الاستعمار البريطاني جنوب اليمن، اعتبرنا أن المرحلة الاستعمارية كانت مُظلمة، وحرصنا على مسح ذاكرة الإمارات والسلطنات والمشيخات الجنوبية، رغم عديد المفردات الهامة في تلك التجارب، كالدواوينية في السلطنة القعيطية الحضرمية، ونظام المحاكم في سلطنة لحج.. الخ.
وعندما ذهبت الإمامة في شمال اليمن، اعتبرنا أن المرحلة الإمامية كانت مُظلمة حصراً، وبالتالي مارسنا نوعا من القطعية الإجرائية مع ما كان من قبل، وهذا خطأ كبير، ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى عدم تكرار هذه القطعية أو ممارستها.
نواميس التاريخ والضرورات الموضوعية التاريخية أقوى من أوهامنا، فعندما كان خطابنا يُلغِي إجرائياً ومفاهيمياً العهد السلاطيني في جنوب اليمن، أو العهد الإمامي في شمال اليمن، كنا نقع في خطيئة معرفية، ومفاهيمية. غير أن الزمان كان يحتضن في داخله كل عناصر الماضي، جبراً لا خياراً. هذه هي المسألة المهمة، فليست مشكلتنا مع الماضي، وليست مشكلتنا مع نظامٍ كان وذهب.. المشكلة الحقيقية والجوهرية، هي في كيفية توظيف كل عناصر الماضي في الحاضر، بوصفها عناصر تحمل في تضاعيفها وفي طيّاتها بعض قيم إيجابية، وليست كلها سلبية..
ومن هذه الزاوية، أتمنّى من الذين يعتنون بترسيخ القضايا المفاهيمية الكُلّية في أقطار العرب، أن يتعاملوا مع ما كان بوصفه ضرورة موضوعية من جهة، وبوصفه يحمل بعض العناصر الإيجابية من جهة أخرى، وأن لا نقع في مصيدة المقاطعة الإجرائية العدمية لما كان في الماضي.
أعتقد أنه من الضرورة بمكان في مثل هذه الظروف، وفي هذا الزمن الذي يكتسي طابعاً استثنائياً، أن تواصل طيوف الألوان السياسية في الساحة العربية، القبض على جمرة الاستحقاق السلمي الرشيد، عبر مواصلة الحوار وتوحيد المرئيات، في ما يتعلق بالتحديات الأساسية والجوهرية القائمة، وكذا التحديات السياسية والاقتصادية وما ينجم عنهما من تفاصيل أُخرى.
على المستوى اليمني، تمثيلاً لا حصراً، من الضرورة بمكان لكل الذين هم في إطار الشرعية التوافقية القائمة، أن يديروا حواراً داخلياً على قاعدة توحيد المرئيات تجاه المسألة الجنوبية وتجاه قضية صعدة على وجه التحديد.. وأيضاً تجاه ما يجري على الأرض، خاصة في الساحات، ومطالب الشباب. وبالتالي، تأمين وحدة الشرعية القائمة، وفق المبادرة الخليجية ووفق الدستور اليمني. وحدة الشرعية القائمة تكمن في أن تكون لديها مرئيات مشتركة، ومن الحكمة استبعاد بعض المسائل الخلافية، وبما لا يضر بالتغيير، بوصفه الركن الركين في المعادلة السياسية القائمة.
لقد تغيرت الصورة الذهنية النمطية تجاه اليمن بطريقة جذرية، وذلك عطفاً على التتويج الرشيد للانتفاضة والثورة الشبابية السلمية، كما لم يحدث في أي بلد من بلدان الربيع العربي.
هذا السيناريو لم يكن متوقعاً من قبل المتابعين والمراقبين، فقد كانت هناك صورة نمطية قاتمة، إذ كان الكل يتصوّر أن اليمن سيقع في مستنقع سيئ جداً، وأنه شعب مسلح، وأن هناك انتشارا قبليا فوضويا، وما إلى ذلك من صور قاتمة أسهم نظام المتاهات المُنحسر في تعميمها ظلماً وباطلاً، حتى أن النتائج الماثلة جعلت العالم يتأرجح بين الدهشة والإعجاب والاستغراب.
كان سؤال المراقبين الذي نجتهد تباعاً في تقديم إجابة عنه، يتلخّص في التالي: كيف خرج اليمن من المحنة بهذا الشكل، وبمتغير كبير جداً قلب الصورة النمطية الظالمة رأساً على عقب؟
هذه الصورة نشأت عطفاً على ما حصل، وعطفاً على التوافقية السياسية التي لولا الأطراف اليمنية لما نجحتْ، ولما كانت العوامل الإقليمية والدولية أفضت إلى ما نحن عليه. نعم، تغيرت الصورة النمطية بشكل كبير، ولكن علينا أن نقبض على جمرة الاستمرار في خط التسوية السلمية، القابلة بحوار مفتوح، وخاصة بين فرقاء الساحة الذين تشاركوا في هذه التسوية..
يفترض أن يكون هناك تخلٍ حر عن ثقافة القطيعة مع الآخر، وتخلٍ حر عن الاستقطاب والمكايدات، بل وإلجام فاقدي النظر، ممن يمارسون الخطاب السياسي بعقلية مُتخلفة.