إن الأمن المائي ليس أولوية وطنية فحسب، بل هو قضية إقليمية ودولية باتت على رأس أولويات العديد من الدول حول العالم.
لقد أكدت قيادتنا الرشيدة أهمية المياه بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة في عدة مناسبات، آخرها تصريح سيدي الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، والذي قال فيه إن المياه أهم من النفط بالنسبة لدولة الإمارات.
إن الأمن المائي ينطوي على الاستخدام المستدام وحماية مواردنا المائية والحفاظ عليها، من أجلنا ومن أجل الأجيال القادمة. فقضية الأمن المائي يجب أن تكون هاجس ومسؤولية كل فرد يعيش في هذه الدولة.
وتشير الإحصاءات إلى أن لدينا في دولة الإمارات واحداً من أعلى مستويات استهلاك المياه في العالم، حيث تقدر بـ360 لتراً يومياً للفرد، في القطاع المنزلي وحده! وهذه المياه مؤمنة من ثلاثة مصادر، وهي: المياه الجوفية، ونستهلك منها 2.5 مليار متر مكعب سنوياً، والمياه المحلاة التي ننتج منها 1.7 مليار متر مكعب سنوياً، والمياه المعالجة والمعاد تدويرها، والتي ننتج منها 500 مليون متر مكعب سنوياً، ويتم استخدام 40% منها.
وهناك العديد من القضايا المتعلقة بأمن المياه في الدولة، أهمها:
ـــ ارتفاع معدل النمو السكاني.
ـــ التوسع العمراني السريع.
ـــ ارتفاع معدل استهلاك المياه.
ـــ استنزاف المياه الجوفية بسبب عدم الوعي والتنظيم في القطاع الزراعي.
أما أبرز التحديات فهي:
1 ــ ترشيد استهلاك المياه من قبل المستهلكين، لتخفيف الطلب عليها.
2 ــ ارتفاع نسبة الملوحة في مياه الخليج إلى أكثر من 43 غراماً من الملح في الكيلو الواحد من المياه، مقارنة مع 37 غراماً في المحيطات المفتوحة.
3 ــ استدامة الغاز والوقود لتوفير تحلية المياه في المستقبل.
4 ــ المحافظة على التنوع البيولوجي في مياه الخليج.
5 ــ التوسع في القطاع الزراعي والمسطحات الخضراء.
6 ــ ضعف أو انعدام الإدارة المتكاملة للمياه، على المستوى الوطني والإقليمي.
يضاف إلى كل ذلك، غياب للبيانات الدقيقة التي تشكل مفتاح أي تقدم، ومن دونها لا يمكن اتخاذ القرارات الصائبة للحفاظ على المياه محلياً وإقليمياً.
وفي ظل هذه الضغوط السكانية والعمرانية المتنامية، فإن الحاجة لإمدادات المياه ستكون أكثر إلحاحاً وتحدياً في دول الخليج في السنوات الخمسين المقبلة، بسبب محدودية الموارد المائية الطبيعية غير المتجددة، ومحدودية الأراضي الصالحة للزراعة، إضافة إلى التكاليف الباهظة للطاقة والتبعات البيئية.
وعليه، يجب التعامل مع قضية الأمن المائي بشكل أكثر جدية، من خلال الاهتمام بعملية التخطيط الشامل والمتكامل بعيد المدى لحل الأزمة المائية المتوقعة، والمرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأمننا الغذائي، وكل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية الأخرى.
إن منطقة الخليج من أكثر المناطق ندرة للمياه في العالم، وعليه، فإن توحيد الجهود مهم لضمان استمرار التقدم والرخاء الذي نحن فيه. وقد أطلقت وزارة البيئة والمياه استراتيجية للمحافظة على الموارد المائية في دولة الإمارات، وتقوم هيئة البيئة في أبوظبي، بالتعاون مع جهات حكومية أخرى في الإمارة، ومن خلال الرؤية البيئية - 2030، على تحديد التحديات على مستوى الموارد المائية، والتصدي لها من خلال الإدارة المتكاملة والشاملة، ووضع الحلول والقرارات طويلة المدى للحفاظ على مواردنا المائية واستقرارنا الحضاري.
إننا ننتظر جهوداً مماثلة على الصعيد الخليجي، لأن أمن المياه مترابط وعابر للحدود، وقد وضع قادة دول مجلس التعاون قضية أمن المياه على رأس أولويات المجلس الملحة، أثناء انعقاد قمة قادة دول مجلس التعاون في أبوظبي عام 2010، مع الأخذ بعين الاعتبار الطلب المتزايد على المياه المحلاة، حيث إن 90% من سكان هذه الدول تعتمد على التحلية لتأمين المياه للاستخدام المنزلي فقط.
الأمن المائي لا يتطلب جهود الحكومات فحسب، بل يتطلب جهود كل فرد من أفراد المجتمع، من خلال ترشيد الاستهلاك في المنزل وعدم إساءة استخدام هذا المورد المهم والحيوي بالنسبة لنا. تخيلوا ماذا سيحصل إن لم يتوفر الماء لنا في يوم من الأيام كما هو متوفر اليوم؟
إنني لا أبالغ عندما أقول إن الوضع المائي هو وضع محزن، والأزمة المائية أضحت كارثة مؤلمة ومأساة إنسانية حقيقية، خصوصاً وأن هناك بين سكان الكرة الأرضية أطفالاً يموتون يومياً بسبب شح المياه النظيفة، وقد تكون هذه المأساة يوماً ما في مكان آخر من هذه الأرض، والعياذ بالله أن تصبح دول الخليج في هذا المأزق الخطير، حيث الحقيقة الفاقعة بأن دولنا هي تحت خط الفقر المائي.
وبالفعل إنه واقع محزن وصورة تعكس ملامح لمستقبل مخيف، إذا لم يتم التفاعل مع القضية المائية على أنها قضية كل فرد وكل إنسان في هذه الأرض. أما على صعيد القطاع الزراعي، فيجب ترشيد وتوعية وتثقيف المزارعين، على زراعة محاصيل لا تستنزف المياه، وتعم بالفائدة على المجتمع للوصول إلى الأمن الغذائي.
إن الأمن الغذائي والمائي وأمن الطاقة، مرتبطة ببعضها بعضاً، والمرحلة المقبلة تتطلب تضافر الجهود والتعاون المستمر على المستويين الحكومي والاجتماعي، للمحافظة على مواردنا المائية الشحيحة.
كذلك أود الإشارة إلى ضرورة تغيير سلوك الفرد اليومي في الاستهلاك، ودوره المحوري في المحافظة على هذه الثروة، والعمل على نشر وعي مائي في المجتمع، هو أمر في غاية الضرورة، ومن أهم أدوات إدارة المياه على المدى البعيد.