تعيش فرنسا منذ ثلاثة أشهر حملة انتخابية مستمرّة، ولكن يلاحظ أن توجهات السياسة الخارجية الفرنسية شبه غائبة عنها، ولم ير أي مرشح أن هذا الموضوع يشكل رهانا حقيقيا لكسب أصوات الناخبين. هذا مع أن الأمر يتعلّق بمكانة فرنسا ودورها في عالم هو بصدد التبدّل. ونقاش مثل هذه المسألة في غاية الأهمية، لدرجة أن نيكولا ساركوزي، الرئيس المنتهية ولايته، كان قد أكّد في حملته الرئاسية لعام 2007، أنه سيقوم بقطيعة كاملة مع المحاور التقليدية للسياسة الدولية لفرنسا.. لكنه لم يحقق ذلك.
ويمكن التنبؤ بأنه لن تتم قطيعة حقيقية خلال السنوات القادمة، كائنا من يكون الفائز بالرئاسة. ولا يمكن تغيير جغرافية بلد وتاريخها ومصالحها وتقاليدها وتحالفاتها، بتغيير قائدها. في مجال السياسة الخارجية، يمكن تعديل الأولويات وإيقاع الدبلوماسية، لكن القطيعة الحقيقية نادرة.
فما هي الخلافات الحقيقية في فرنسا حول هذه المواضيع؟
يمكن القول إن الخط الفاصل بين المسائل المتعلّقة بالسياسة الخارجية لفرنسا منذ سنوات الثمانينات المنصرمة، يتجسّد في التعارض بين أنصار نهج السياسة الخارجية التي اتّبعها الجنرال ديغول ومن بعده الرئيس فرانسوا ميتران، وبين أنصار التوجّه الأطلسي.
النهج الأول يرى أنه لا يمكن اختزال فرنسا إلى مجرّد دولة غربية، وأن لها موقعها الخاص في العلاقات الدولية ومن مصلحتها المحافظة على هذا الدور، خاصّة في العلاقة مع البلدان الصاعدة. وهذا يتطلّب محافظتها على خطّها الوطني المستقل، وعدم الانخراط في منظومة تحالفات جامدة.
والنهج الآخر، الأطلسي، يرى أنه ينبغي على فرنسا أن تحدد نفسها ونهجها أوّلا على أساس انتمائها إلى العائلة الغربية، وأن واجبها الرئيسي هو أن تكون متضامنة مع هذه العائلة ومع زعيمتها، أي الولايات المتحدة. كما يرى أصحاب هذا النهج، أن حصول تهديد كبير لفرنسا يستدعي اللجوء إلى العائلة الغربية المزعومة، أي إلى واشنطن.
للمفارقة، تعزز مثل هذا الفصل منذ نهاية الاتحاد السوفييتي، وأخذ أشكالا أخرى غير تلك الانقسامات السياسية التقليدية بين أحزاب اليمين واليسار. وبدا ذلك عبر المفهوم الذي طرحه وزير الخارجية السابق برنار كوشنر حول حق التدخّل، وحيث كان كوشنر قريبا جدا من الحزب الاشتراكي وانتهى وزيرا للخارجية لدى نيكولا ساركوزي.
حق التدخل رآه البعض كبرهان على الاهتمام بالمآسي التي تصيب العالم، بينما اعتبره آخرون كتعبير تقليدي عن سياسة القوّة الاستعمارية الجديدة، ولو جرى تمويهه بلباس الأخلاق.
وبرز انقسام آخر على صعيد قراءة العلاقات بين العالم الغربي والحضارات الأخرى، وفي مقدمتها تلك التي يمثّلها الإسلام. والانقسام هو، من جديد، ليس بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار. وإذا كانت أغلبية مناضلي أحزاب اليمين تخشى من صعود الكتلة الحضارية التي يجسّدها الإسلام، فإن بعض مكونات اليسار ترى في ذلك خطرا باسم الالتزام الحازم بالعلمانية.
ومسألة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لها دلالتها في هذا الصدد، في ما يخص الخلافات في التقييم حول المسائل الدولية والاستراتيجية. ذلك أن أصحاب النزعة الغربية، يرون في الحكومة الإسرائيلية موقعا متقدما لمعركة الديمقراطيين ضد المستبدين، وللغرب ضد الإسلام.
أمّا أنصار نهج ديغول ـ ميتران، فيرون أن احتلال فلسطين ورفض منح الفلسطينيين حقوقهم، يشكلان مصدرا كبيرا للمواجهات على المسرح الدولي ونفيا للقانون الدولي.
هذه الأمثلة كلّها، تبيّن أن المسائل الدولية ليست موضع خلاف حاد بين القوتين السياسيتين المتنافستين للفوز في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية الفرنسية هذا العام. وداخل هاتين القوتين يتعايش الأطلسيون من أنصار الانحياز إلى الحلف الأطلسي وأصحاب النزعة الغربية في مواجهة الحضارات الأخرى، ومؤيدو نهج ديغول ـ ميتران.
إن الرئيس الفرنسي المنتهية رئاسته نيكولا ساركوزي، يمكن تصنيفه بوضوح كغربي النزعة، كما تدلّ سياسته خلال السنوات الخمس المنصرمة. ومنافسه فرانسوا هولاند لم يعبّر عن آرائه حيال مسائل السياسة الخارجية، ويعرف أن قاعدته تميل بغالبيتها لنهج ديغول ـ ميتران الداعية للاستقلال الوطني، لكنه لم يخرج حتى الآن من غموضه في هذا الميدان.
هذه المسائل أساسية بالنسبة لمستقبل فرنسا، ومع ذلك لم يتم التطرّق لها بصورة كافية أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية.. والأمر يدعو للأسف.