تعلو أصوات أولئك الذين هم على قناعة بأن الصين ستطغى على الولايات المتحدة كقوة عالمية اقتصادية وعسكرية من جهة، وأولئك الذين هم على ثقة باستمرار قيادة الولايات المتحدة من جهة أخرى. ويركز شق كبير من هذا النقاش، على حجم الاقتصاد الصيني بالنسبة لاقتصاد الولايات المتحدة، أو على قضايا تتعلق بالقوة العسكرية. ولكن ما يهم بالنسبة للقيادة العالمية هو الابتكار، الذي لا يشكل المحرك الرئيسي لنمو نصيب الفرد من الدخل فحسب، ولكن أيضاً المحدد الرئيسي للقيادة العسكرية والدبلوماسية. والولايات المتحدة هي التي أثبتت، بعد "بيرل هاربر"، كيف يمكن لاقتصاد مزدهر أن يعزز من قوتها العسكرية وتأهبها عندما يحين وقت الحسم.
وبالتالي فإن السؤال الصحيح لا يدور حول من سيكون القائد العسكري في القرن المقبل، وإنما حول من سيكون القائد التكنولوجي. ويجب أن يكون الجواب: الولايات المتحدة على الأرجح، ولكن فقط في حال تمكنت من ترتيب أوضاعها.
وترجح الاحتمالات كفة الولايات المتحدة، ليس فقط لأنها من الناحية التكنولوجية أكثر تقدماً وابتكاراً من الصين في الوقت الحالي، ولكن أيضاً لأن الابتكار يعتمد في نهاية المطاف على مؤسسات كل دولة. فالمؤسسات السياسية الشاملة توزع السلطة السياسية بالتساوي في المجتمع، وتقيد الكيفية التي يمكن لتلك السلطة أن تمارس من خلالها. إنها تميل إلى دعم المؤسسات الاقتصادية الشاملة، التي تشجع على الابتكار والاستثمار، وتوفر فرصاً متكافئة.
ورغم كل التحديات التي تواجهها المؤسسات الأميركية، فإنها تظل شاملة على نطاق واسع، وبالتالي أكثر ملاءمة للابتكار. ورغم كل الموارد التي تخصصها الصين للعلوم والتكنولوجيا في الوقت الراهن، فإن مؤسساتها السياسية تعد استخراجية، وما لم يتم إصلاحها وتغييرها بشكل جذري، فإنها ستقف عائقاً أمام الابتكار.
ويحتمل أن تواصل الصين نموها على المدى القريب، ولكن هذا النمو سيحدث في ظل مؤسسات استخراجية، تعتمد في الغالب على الشركات ذات النفوذ السياسي، وعلى نقل التكنولوجيا واللحاق بركب التطور التكنولوجي. وستكون المرحلة التالية من النمو الاقتصادي، التي من شأنها أن تولد ابتكاراً حقيقياً، أكثر صعوبة ما لم تتغير المؤسسات السياسية في سبيل خلق بيئة تكافئ تحدي المصالح والتكنولوجيات والشركات والسلطات الراسخة.
ولدينا سابقة تاريخية لهذا النوع من النمو: الاتحاد السوفييتي. فبعد انتزاع البلاشفة للاقتصاد الزراعي غير الفعال من النظام القيصري، واستخدامهم سلطة الدولة لنقل الناس والموارد إلى تلك الصناعة، نما الاتحاد السوفييتي بوتيرة لم يكن لها مثيل آنذاك، محققاً متوسط نمو سنوي يزيد على 6% في الفترة ما بين عامي 1928 و1960. ورغم الحماس الذي كان يلقاه النمو السوفييتي، فإنه لم يدم.
وبحلول سبعينات القرن الماضي، كان السوفيتيون قد أنتجوا كل ما يمكن إنتاجه من نمو، من خلال تحويل الناس من الزراعة إلى الصناعة، ورغم الحوافز والمكافآت المتنوعة، بل والعقوبات القاسية، فإنهم لم يتمكنوا من توليد الابتكار. فركد الاقتصاد السوفييتي، وانهار بعد ذلك تماماً.
وتتفوق الصين على الاتحاد السوفييتي من حيث الإمكانات، فنموها لم ينجم ببساطة عن المراسيم الحكومية، ولكن أيضاً عن إصلاح المؤسسات الاقتصادية، وتوفير الحوافز للمزارعين وبعض الشركات (وإن كانت الصلات الحكومية لا تزال تشكل عاملاً مساعداً قوياً)، وهي تتفوق أيضاً من حيث مواكبة التطورات التكنولوجية.
ولكن هذا التفوق سيتلاشى ما لم تعمد الصين إلى تغيير مؤسساتها تغييراً جذرياً. ولا يتطلب ذلك مجرد اتخاذ خطوات واضحة، مثل استحداث نظام قضائي مستقل، وإعلام مستقل، وحقوق ملكية أكثر أمناً بالنسبة للشركات، ولكنه يتطلب أيضاً وجود مؤسسات سياسية شاملة بحق. والتهديد الذي تواجهه الولايات المتحدة، هو الجانب الآخر من الفرصة التي تنتظر الصين. فالمؤسسات الأميركية الشاملة في تراجع، والخطر المتمثل في أن تلحق الولايات المتحدة بمجتمعات أخرى شهدت تفكك مؤسساتها الشاملة وتلاشي نجاحها الاقتصادي، هو خطر حقيقي.
وشهد المجتمع الأميركي تغيرات عميقة على امتداد العقود الأربعة الماضية. ويشكل الارتفاع الكبير في مستوى التفاوت الاقتصادي، الذي ساهمت حركة "احتلوا وول ستريت" في تصدره عناوين الصحف، جانباً مهماً من هذه التغيرات، وعلامة تحذير في الوقت ذاته.
والمشكلة هي أن انعدام المساواة الاقتصادية، غالباً ما تأتي مقترنة بانعدام المساواة السياسية، حيث يحاول أصحاب الثروات تعزيز نفوذهم السياسي على حساب سائر أبناء المجتمع. ويمثل هذا النوع من الاستيلاء على السياسة، وسيلة مؤكدة النجاح لتقويض المؤسسات السياسية الشاملة، وهو يجري بالفعل في الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة، لا الصين، هي التي ستقود العالم في مجال الابتكار والتكنولوجيا لعقود عديدة، هو مرونة المؤسسات الأميركية الشاملة. فقد كانت الأمور أسوأ بكثير خلال العصر الذهبي، سواء من حيث انعدام المساواة الاقتصادية أو من حيث استيلاء أفراد النخبة الثرية، المعروفين بالبارونات اللصوص، على السياسة. ومع ذلك، فإن البارونات اللصوص لم يسودوا. وقد تمكن النظام السياسي الأميركي أيضاً، من التصدي لمشكلة عزل الجنوب وتهميش السود، التي بدت أكثر استعصاءً. وكل ذلك كان ممكناً، لأن الأميركيين وقفوا وقاتلوا من أجل المساواة السياسية، ولأن النظام السياسي الأميركي كان منفتحاً بما يكفي للسماح لهم بالقيام بذلك.. ونحن نتفاءل بأن هذه المرة لن تكون مختلفة.