مجتمعات الخليج مجتمعات متدينة بطبعها، ولا عجب في ذلك فهي أرض الإسلام ومهد الكثير من الحضارات ذات الأبعاد الفكرية والروحانية. إنسان هذه المنطقة عرف الروحانيات حتى قبل ظهور الأديان السماوية. فالحضارات المكتشفة تدل على وعي فكري وروحاني كبير ظهر لدى سكان هذه المنطقة وتجلي في أفكارهم ومعتقداتهم الفكرية واتضح جلياً في طريقة دفنهم لموتاهم.
وعلى الرغم من قول البعض ان جميع الحضارات كانت لها أبعاد روحانية إلا أن حضارات هذه المنطقة تميزت بامتزاج بعدها الروحي مع بعدها الإنساني الخالص. ففي الإسلام مثلاً، الدين هو المعاملة. فالإشارة إلى العبادات قليل بالمقارنة إلى الإشارة إلى أعمال الفكر وشغله بالتفكير في الخير وفي رقي التعامل البشرى وتقبل الآخر والتسامح ونبذ العنف.
ظهور الأديان السماوية في هذه المنطقة بالتحديد وما حولها كان له رمزية معينة. فهذه المنطقة كانت بالنسبة للقدماء مركز العالم ومنها انبعث نور الأديان السماوية ليضفي على العالم نوراً ما بعده نور، نور الوحدانية والإيمان والعلم والوعي الإنساني بحكمة الإله عز وجل وقدرته.
وبالتالي فإن ما دار في هذه المنطقة من اتجاهات فكرية أثرت حضارات الآخرين وأثرت على العالم بأسره. وجاء الإسلام كأخر الأديان السماوية الكبرى. وعلى الرغم مما واجهه الإسلام في بداياته من معارضة عقائدية وفكرية داخل شبه الجزيرة وخارجها إلا أن تلك المعارضة ما لبثت أن تلاشت ليس بقوة السيف ولكن بقوة العقل والمنطق التي جسدها الإسلام.
ظهر الإسلام في الجزيرة العربية ومنها انتشر إلى جميع بقاع الأرض ناشرا روح التسامح والعدل ومبشرا بعهد جديد يسمو فيه الإنسان على جميع الكائنات الحية بفضل العقل الذي منحه الله سبحانه وتعالي له وبفضل نعمة التفكير التي خصها الله للبشر. لقد بعث الله عز وجل الإسلام لجميع البشر وبالتالي ركز على القواسم التي تجمعهم وليست تلك التي تفرقهم. تلك هي القضية الأساسية في الإسلام.
قرون مضت وانقضت، وأحوال تغيرت وتبدلت، ولكن مجتمعات الخليج على الرغم من التغير الذي طرأ عليها ظلت محافظة على أسسها البنيوية وظل الدين بكل قيمه ركناً أساسياً في تفكيرها وعقيدتها وأساس حضارتها. وعلى الرغم من اختلاف أنماط التفكير العقائدي والفكري بين سكان الخليج وساكنيه إلا أن ذلك لم يكن يوما عامل فرقة، بل على النقيض فقد خلق مناخا رائعا للتنوع الديني وللتعايش السلمي والاختلاف الثقافي وبيئة صالحة ظهرت فيها تيارات فكرية مشروعة.
راجت بين أهل الخليج الكثير من الأفكار والتيارات الفكرية بعضها اشتق من الدين وتميز بالروحانية المطلقة (كالصوفية مثلًا) وبعضها الآخر اشتق من الأفكار الاجتماعية السائدة وأصبح الآن جزءاً من الثقافة الاجتماعية المقبولة.
ولكن هذه الأفكار جميعها لم تكن يوما عامل فرقة بل على النقيض فقد اعتبرها إنسان هذه المنطقة دليلا على التنوع وتقبل الآخر المختلف عنه فكريا وعقائديا ودليلا قويا على حرية التفكير والمعتقد. لذا تعد مجتمعات الخليج نموذج للتعايش المشترك الأمثل بين البشر على مختلف عقائدهم ومذاهبهم.
تقبل أهل الخليج هذا الاختلاف والتنوع بصدر رحب وكانوا على دراية تامة بهذه الأفكار وأصولها ونشأتها ولكنهم لم يعملوا على رفض أي منها أو تهميشه أو مصادرة الحرية الفكرية لاتباعه، أو اتخاذ ذلك الاختلاف العقائدي وسيلة للفرقة الاجتماعية، بل على النقيض من ذلك فقد اعتبروها دليلاً حياً على النشاط الفكري الذي يختبر قوة وحيوية العقل البشرى وقدرته على الابتكار والإبداع باعتبار أن الإنسان السوي غير قادر على العيش وتنفس فضاء الحرية إلا في مثل هذا المناخ.
الأوضاع تغيرت بشكل جذري في عالمنا اليوم ونحن نخطو بقوة باتجاه العقد الثاني من الألفية الثالثة. فنتيجة لأحداث عالمية كبرى ونتيجة لأسباب سياسية عديدة أصبح الكثيرون يوظفون الدين لأغراض عديدة أو يلجئون للدين حين يريدون تحقيق أغراض ومصالح دنيوية خاصة بهم، مثلا حين يريدون إيجاد ثغرة ضد الآخر المختلف عنهم عقائديا وفكريا؛.
وحين يريدون إقصاء أو تهميش الآخر سياسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا أو أثنيا؛ أو ببساطة حينما يريدون تكريس الفرقة والاختلاف بين قوى وطوائف المجتمع لأغراض مادية بحتة. العالم تغير نحو الأسوأ في استغلال الجانب العقائدي، ونحو الأسوأ في استخدام الدين كسلاح لبث الفرقة والتمييز بين البشر، بل وفي استخدام الدين كأسرع سلاح لتحقيق مأربهم.
هذه القضية لم تكن في الحسبان قبل عقود قصيرة مضت. فقد اعتبر استخدام الدين وتوظيفه سلاح الضعيف والخائف والجبان. فقد أنغمس الناس آنذاك على مختلف أديانهم ومذاهبهم وأطيافهم في تحقيق أهداف ربما كان معظمها مادي مثل تحسين سبل حياتهم الاقتصادية والارتقاء بأوضاعهم الاجتماعية والارتقاء نحو عوالم مادية عديدة ممثلة في البحث العلمي والتقني وأبحاث العلوم والفضاء.
لم يكن الدين غائبا ولكنه أيضا لم يخضع للاستغلال والتوظيف كما يستغل اليوم وتحت ذرائع وحجج واهية. اليوم كثيرون يلجأون للدين ليس فقط كملجأ آمن يوفر لهم الراحة النفسية ولا كحل لأمراض العصر بل كسلاح سياسي وثقافي واجتماعي قوي لمحاربة خصومهم ومعارضيهم وحتى المختلفين عنهم في الرأي. الغرب لجأ إلى الدين لمحاربة الشرق والشرق لجأ إلى الدين لمحاربة معارضيه في الداخل وخصومه في الخارج.
ولم ينجح أحد حتى الآن في تحقيق المعادلة الصعبة: إحراز نصر على الآخر. فلا الغرب نجح في إخضاع الشرق ولا الشرق نجح في تحييد الغرب، ولا أصحاب المذاهب نجحوا في تحقيق غاياتهم. هذه هي طبيعة الأديان. فقد أرادها الخالق عز وجل أن تكون علاقة بينه وبين المخلوق. إن مجتمعات الخليج مدركة بأن التغيير وإن طال بنيتها الأساسية فإنه لن يطول قيمها الراسخة المتوارثة ولا تراثها العقائدي المشتق من الدين. لذا فإن قيم التسامح وتقبل الآخر سوف تظل جزءاً أساسياً من قيم المجتمع لن تتغير ولن تتبدل مهما تغيرت الأحوال والظروف.