كنت أنوي أن أكتب هذا الأسبوع في موضوع "الأمن الإقليمي" في ما يسمى بالشرق الأوسط بقواه الرئيسية الثلاث، وتقاطعاته مع الأمن القومي العربي والأمن الإسلامي، وبتشابكاته المتوافقة والمتصادمة مع الدور الصهيوني والأمريكي في المنطقة، خصوصا في ما حول فلسطين.. مع التركيز على ضرورة صياغة مشروع استراتيجي عربي محوره مصر، لمواجهة ما تتعرض له أطراف الوطن العربي وقلبه من تهديدات إقليمية أو دولية.

 لكن مصر بزخم أخبارها السريعة والمتلاحقة، خاصة في ما يتصل بمفاجآت انتخابات الرئاسة ولجنة الدستور، وتطورات الأحداث المفاجئة الساخنة فيها اتصالا بما حولها، خاصة في الجنوب والشرق، بما تطرحه من تساؤلات واحتمالات حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل، فرضت نفسها من جوانب عديدة بقوة لا تقاوم. أولها، حين وجدتني أكتب صباح يوم الخامس والعشرين من إبريل، وهو اليوم الموافق للذكرى الثلاثين لتحرير سيناء المصرية بعد انتصار عسكري تاريخي على جيش الاحتلال الصهيوني، ضرب في الصميم نظرية الأمن الإسرائيلي في حرب أكتوبر المجيدة على الجبهتين المصرية والسورية، وبمشاركة عربية فاعلة.

وثانيها، عندما سبق ذلك بيوم واحد القرار المصري الجريء بوقف تصدير الغاز المصري للكيان الصهيوني، بأسباب قانونية ومضامين سياسية بأن مصر رغم ما يبدو من بعيد من أزمات داخلية، ما زالت تملك إرادتها وقادرة عندما يقتضي الأمر، على اتخاذ أقوى القرارات حماية لمصالحها وحقوق شعبها، بما أثار الشعور بالصدمة السياسية في الدوائر الصهيونية، وبالفرحة الشعبية في الأوساط المصرية.

وثالثها، ما سبق هذا القرار الزلزالي الذي يفرض على تل أبيب إعادة حساباتها السياسية والاقتصادية في يوم واحد، تلك المناورة العسكرية المصرية "بدر 2"، بحضور قادة أسلحة الجيش المصري في يوم سيناء، وفي مقدمتهم المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وبينما لم يغب عن الذاكرة أن "بدر" كانت كلمة السر في حرب رمضان المجيدة، بقيت ترن في أسماعهم كلماته القوية لرجال الجيش بقوله "من يقترب من حدودنا سنكسر يديه".

ورابعها، أن ما يجري في مصر كقوة عربية وإقليمية كبرى، بتداعياته السياسية والأمنية على ما حولها، يتصل بالأمن الوطني المصري المتطابق مع الأمن القومي العربي والمتشابك مع الأمن الإقليمي، بما يتطلب استدعاء المشروع الاستراتيجي العربي الذي يستلزم تكاملا بين "الوطن" العربي وتضامنا مع "المحيط" الإسلامي، وتعاونا مع "الجوار" الاستراتيجي. وهذا المشروع إن نجح العرب والمسلمون في صياغته بوعي جديد بالخطر، فإنه يصبح بمقدورهم أن يحققوا انقلابا جوهريا في معادلات القوى، يعيد تصحيح الموازين في الشرق، ويشكل الرد الاستراتيجي التاريخي على النظرية الأمنية الصهيونية المساة "حلف المحيط"، التي أطلقها "دافيد بن غوريون" في نهاية الأربعينات مع تأسيس الكيان الغاصب على أرض فلسطين، بما يعني تهديد العرب بالمسلمين والعكس صحيح، لضرب الطرفين معا!

وهي النظرية التي تقوم بعملية "شد الأطراف" للوطن العربي، ويتم بموجبها التحالف الإسرائيلي مع كل من تركيا وإيران في الشمال، لتهديد كل من الخليج العربي والعراق وسوريا اللذين يمكن لجيوشهما تهديد أمن إسرائيل، ومع إثيوبيا عند منابع النيل في الجنوب، لتهديد السودان ومصر الأكبر مساحة وسكانا وقوة في وجه إسرائيل.

كما تتم بموجبها إثارة مخاوف دول المحيط والجوار الإقليمي ذي الارتباط الغربي، من حركة المد القومي العربي وتصديرها كتهديد لتلك الدول الرئيسة في الإقليم، خصوصا منذ بداية الخمسينات مع بروز القيادة الناصرية للثورة المصرية، وذلك لإثارة النزاعات الحدودية والسياسية، لشغل العرب والمسلمين عن القلب في فلسطين والانزلاق إلى النزاع فيما بينهما، فيما تبقى إسرائيل آمنة!

وقد استمر "حلف المحيط" قائما بين إسرائيل الصهيونية وتركيا الأتاتوركية وإيران الشاهنشاهية، في عملية شد الأطراف العربية، بمشاركة غربية طوال الخمسينات عبر حلف بغداد، بينما بدأ في الستينات توجيه الطعنات إلى القلب العربي، بدعم إسرائيل في عدوانها على الدول العربية عام 1967، بل وحتي نهاية السبعينات مع الانقلاب الاستراتيجي في المنطقة لغير صالح الحلف الصهيوني الغربي.

أولا في إيران بقيام الثورة الإسلامية ومناصرتها المقاومة الفلسطينية وقطع العلاقات مع إسرائيل، وثانيا في تركيا مع نهاية التسعينات بصعود حزب العدالة والتنمية ذي الخلفية الإسلامية لحكم تركيا ومناصرة قضية فلسطين وتأزم العلاقات التركية مع إسرائيل، بما يمكن بالحوار والتفاوض أن يفتح الطريق لمشروع عربي إسلامي في مواجهة المشروع الصهيو أميركي. وهذا ما جعل الحلف الصهيوني الغربي ضد اللا حلف الإسلامي العربي، يغير استراتيجيته إلى استراتيجية الفتن الوطنية والحروب الأهلية في الدول العربية والإسلامية، بمحركات طائفية ومذهبية وعرقية وجهوية، وصولا إلى التفتيت والتقسيم، عن طريق ممارسة "شد الأطراف" ليس على الحدود القومية فحسب، بل على الحدود الوطنية، كما جرى في جنوب السودان وغرب ليبيا، وشمال العراق وجنوب اليمن، وشمال سوريا وجنوب لبنان، وفي محاولة إثارة القلاقل الأمنية في سيناء بشرق مصر، وفي سيوة غربها، وفي النوبة في جنوبها.

ثم لعب الدور الأمريكي لعبته الجديدة لإحداث انقلاب جديد، بالترهيب والترغيب تارة أخرى، ليعيد تركيا إلى صفوف الغرب لتهديد سوريا والعراق، وهو ما ينقل السياسة التركية من تصفير المشاكل إلى تسعيرها! وتحت الضغط يعيد إيران لتبدو تهديدا لدول الخليج العربية، ويثير مخاوف عن التهديد النووي الإسرائيلي، ولتعود ريمة إلى عادتها القديمة في الوقيعة بين الجميع!