ظاهرة هامة لفتت أنظار الراصدين لميادين وساحات عواصم دول الربيع العربي، وهي عدم وجود قيادات متميزة لهذه الجماهير الهائلة العدد. فمن تَحدث عن هذه الثورات في وسائل الإعلام المختلفة ودخل في تفصيلات كثيرة تتعلق بأسبابها وحاضرها ومستقبلها، هم محللون سياسيون وإعلاميون وليسوا ناطقين باسمها أو قياديين فيها أو واضعي رؤاها أو مساهمين في رسم استراتيجيتها، فهذه الثورات لم تكن لها قيادات واضحة المعالم.

فعلى الضد مما لوحظ من ثراء الميادين الثائرة بالجمهور، لوحظ شح في القيادات، وهي ظاهرة مشتركة إلى حد ما في ميادين الثورات في عواصم الدول الشمولية، وذلك لأسباب موضوعية عديدة. أبرز هذه الأسباب، هو أن الأنظمة الحاكمة قد عمدت إلى انتهاج استراتيجية تصفية ممنهجة، لكل من يبدو عليه أو يصدر عنه ما يشي بتململه أو اعتراضه على الوضع السياسي القائم. فقد شهدت العقود الماضية تصفيات على مستوى واسع للمعارضة، تباينت بين التصفيات الجسدية أو السجن أو الإبعاد.

مما قلص إلى حد كبير قدرات المعارضة في الداخل، واضطر بعضها للتخلي عن معارضته والقبول بالأمر الواقع، في حين اضطر بعضها الآخر إلى التوجه نحو الخارج، والقبول مرغما بالهامش الضئيل الذي أتيح له ليلعب من خلاله دورا محدودا، لا يساعد على صناعة قيادات جديدة فاعلة، لأنه يفتقر إلى الميدان الحقيقي الذي تصنع فيه القيادات وهو البلد نفسه، حيث المعايشة المباشرة اليومية مع ناسه ومشاكلهم وقضاياهم، وحيث الاحتكاك المباشر مع السلطة الغاشمة.

إلا أن التصفيات الممنهجة هذه ليست السبب الوحيد لغياب القيادات وشحها في الميادين الثائرة، فهناك سبب آخر جد مهم يكمن خلف ذلك، وهو فشل الأحزاب والحركات التقليدية التي خلبت ألباب الشباب في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم (الحركات القومية العروبية والحركات اليسارية الاشتراكية)، وعزوف جمهورها عنها بسبب جمود قياداتها وعجزها عن تفهم روح العصر ومواكبة طروحاته، وخلو أجندتها من البرامج التي تتعلق بحقوق الإنسان، وفشلها في تجديد رؤاها وتحديث خطابها وتغيير أساليب عملها.

ورغم النقص في القيادات، لا يمكن التغاضي عن حقيقة هامة، وهي أن هذه الثورات قد تمكنت خلال وقت قصير، من صياغة وتطوير خطاب سياسي ديمقراطي عقلاني، فيه قدر كبير من الوعي، وفيه كذلك قدر كبير من النضج. فالشعارات التي طُرحت حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والمطالب التي تتعلق بحياة الناس اليومية، هي موضع إجماع لا أحد يستطيع الطعن في مشروعيتها. وقد نجحت هذه الجماهير إلى حد بعيد (في تونس ومصر)، في توظيف أدوات الاحتجاجات السلمية فقط، ولم تلجأ إلى استخدام وسائل العنف.

على الرغم من محاولات الاستفزاز التي قامت بها الأنظمة القائمة لجرها إلى ذلك، مما أكسبها تعاطف الرأي العام العالمي، الذي تدخل لحمايتها ودعمها على مستوى المحافل الدولية، وعمل على تضييق الخناق على الأنظمة المستبدة التي تقف في مواجهتها.

والحقيقة أن غياب الشخصيات القيادية عن المشهد السياسي الساخن، جعل الحشد أكثر تجانساً وساعده على تحقيق أهدافه، وذلك لأن الخلافات التي نشبت حول هذه القضية أو تلك داخل الحشد، لم تتضخم وسَهُل حلها وتجاوزها، لأنها لم تنشب بسبب تضارب الآيديولوجيات أو تعارض وتضاد الأجندات السياسية التي يحشد القادة خلفها جمهورهم.

إلا أن هذه الميزة سرعان ما فقدت أهميتها بعد سقوط النظام، فالمرحلة الجديدة تتطلب حراكاً من نوع آخر، لحسم قضايا قد لا تكون ميادين التحرير وحدها الأماكن المناسبة لذلك. فالقدرات الشبابية في استخدام وسائل التقنية الحديثة في مجال الاتصالات، لم تعد تكفي لكتابة الفصول الأخرى الأكثر أهمية لحركتهم الاحتجاجية.

في هذا السياق خسرت الثورة بعدها التعبوي، وأصبحت كفتها أقل ثقلاً من ذي قبل، ودورها في رسم معالم المرحلة الجديدة أكثر غموضاً، وذلك لأن الجماهير التي أسقطت الأنظمة الشمولية، غالبيتها العظمى من شريحة الشباب التي تقطن المدن الكبيرة، وخاصة العاصمة، وتفتقر للقدرات القيادية وتنقصها مهارات التنظيم والتحشيد في المناطق غير الحضرية، التي تشمل المدن الصغيرة والأرياف التي أصبح لها دور كبير في تقرير مستقبل البلد، استنادا إلى ثقلها السكاني الكبير.

أصيب البعض من المحللين السياسيين والكتاب بالدهشة وبخيبة أمل كبيرة من نتائج الانتخابات النيابية في تونس ومصر، وتراجعت نكهة التفاؤل التي كانت ظاهرة في كتاباتهم وتحليلاتهم، حين رأوا أن الحاصدين لم يكونوا هم الزراع، وأن الصورة الجديدة التي بدأت تتشكل للدولة، لا تتفق مع أحلام الشباب الذين صنعوا التغيير.

والحقيقة أن هذه الدهشة ليست في محلها، إذا أخذنا بنظر الاعتبار خصائص اللعبة الديمقراطية التي يتساوى فيها الجميع؛ يتساوى فيها من يحمل يراعا يشق به عقول الناس ليزرع فكراً نيراً، مع من يحمل معولا يشق به تضاريس الأرض ليزرع قمحاً، فلكل منهما صوت واحد يدلي به في صندوق الاقتراع لينتخب من يمثله.

إن المجتمعات العربية لا تزال مجتمعات فلاحية، غالبية أناسها تقطن المدن الصغيرة والأرياف البعيدة، حيث تسود فيها أجواء بعيدة كل البعد عن أجواء المدن الكبيرة، وتسير الحياة فيها ببطء شديد، على الضد من السرعة التي تمتاز بها الحياة في المدن الكبيرة. وقد اعتاد معظم سكان هذه المناطق على "النمط المحافظ" من الحياة، نمط يقاوم التغيير، فهناك نزعة تقترب من أن تكون نزعة غريزية لدى هؤلاء، تساعد على تكريس الولاءات للمرجعيات التقليدية التي اعتاد الناس الاستماع إلى خطبها وفتاواها. وغني عن البيان أن أجواء كهذه، توفر أرضية خصبة لتعزيز نفوذ بعض القوى السياسية التي ما زالت تنتمي إلى الماضي الذي غادرنا منذ زمن بعيد جداً.

كشف حصاد الربيع العربي عن مفارقة جديرة بالتوقف عندها، فقد كان من الأمور المسلم بها في عالمنا العربي، أن عاصمة البلد تقرر كل شيء لأنها الرأس، فما تراه العاصمة يراه البلد كله. وقد استفاد جميع الحركات الانقلابية في العالم العربي من هذه الحالة لضمان نجاحها، فسقوط المؤسسات الحساسة في العاصمة بمثابة سقوط البلد كله، إلا أن حصاد الربيع العربي قد أبان لنا مدى تراجع دور العواصم في تقرير مستقبل البلد.