رغم أن فوز ميت رومني بترشيح الحزب الجمهوري صار تحصيل حاصل حتى يتم إعلانه رسميا في يوليو، إلا أن رومني سيخوض المعركة ضد أوباما وهو يعانى جروحا خطيرة أصيب بها في الحملة التمهيدية. فمنافسة ريك سانتوروم تحديدا ونيوت غينغريتش بدرجة أقل، عقدت المشكلة الرئيسة التي يعاني منها ميت رومني منذ أن رشح نفسه للرئاسة في 2008.

فالحزب الجمهوري الأميركي في حالته الراهنة، ليس هو الحزب الجمهوري الذي تعارف عليه الناس. فقد صار يزداد يمينية منذ منتصف تسعينات القرن العشرين، حتى أن جمهوره الأساسي صار يتبنى مواقف اليوم ما كان أحد يتصور في أول التسعينات أن يتبناها الحزب. وقد هيمن تيار اليمين بالكامل على مقدرات الحزب، وتم تهميش الجمهوريين المعتدلين فتناقص عددهم بشكل مذهل، حتى صار بعض المراقبين يطلقون عليهم "الكائنات المنقرضة". ومن هنا، صار من الصعب للغاية أن يفوز المعتدلون الجمهوريون في الانتخابات الرئاسية.

لكن تطرف الحزب الجمهوري ازداد مع تولي أوباما الرئاسة، فحركة حفل الشاي اليمينية التي تفجرت ضد الرئيس الديمقراطي، جاءت من قواعد الحزب الجمهوري أو من على يمينه، وهي حين استطاعت أن تحقق نصرا للحزب بحمله لمقاعد الأغلبية في مجلس النواب في انتخابات 2010، صارت هي واليمين الديني يشكلان عصب الحزب وقاعدته الأساسية.

وتمثل هذه الأجواء مشكلة حقيقية لميت رومني، فهو كان حاكما لولاية ماساتشوستس، التي هي من أكثر الولايات ليبرالية في أميركا، ومن ثم لم تكن تلك الولاية لتنتخب حاكما جمهوريا إلا إذا كان معتدلا. ومواقف رومني أثناء حكمه للولاية كانت تستجيب للمزاج العام لناخبيها، فهو شجع مثلا إصدار قانون للرعاية الصحية، يتبنى الأفكار نفسها التي تبناها بعده أوباما في قانون الرعاية الصحية الفيدرالي، الذي يعارضه الجمهوريون بشراسة.

ومتابعة سجل رومني السياسي وقتها، تشير إلى أن الرجل لم يكن يحكم بناء على أجندة أيديولوجية، وإنما وفق ما يراه مناسبا في كل حالة، ووفق المزاج الليبرالي العام في ولايته.

لكن طموح ميت رومني السياسي هو الذي وضعه في المأزق الحالي، فهو حين رشح نفسه للرئاسة، صارت مواقفه تلك عبئا سياسيا عليه. فهذه المواقف صارت مادة يستخدمها خصومه في الحزب الجمهوري، للتشكيك في مدى إيمان رومني بالمبادئ اليمينية المحافظة.

أما رومني فراح، طمعا في الفوز، يسعى للاستجابة للمزاج اليميني في الحزب، والذي يختلف جذريا عن مزاج ولاية مثل ماساتشوستس، فتراجع عن بعض مواقفه في الكثير من القضايا، الأمر الذي ساعد خصومه على التشكيك في مصداقيته وإيمانه بأية قضية أو موقف يتبناه، واتهامه بالانتهازية السياسية. وهي كلها أمور خصمت في الحقيقة من رصيد رومني، بشكل لن يتوقف بمجرد خروج خصومه من الحلبة.

فعلى سبيل المثال، لم يفلح تراجع رومني عن بعض المواقف المعتدلة واتخاذه مواقف يمينية بامتياز، في إقناع قاعدة الحزب به، أي اليمين الديني وحركة حفل الشاي، فهم لا يثقون به ولا يعتبرونه واحدا منهم. لكن هذه المواقف اليمينية نفسها، ومزايدة رومني على خصومه اليمينيين، بالذات في القضايا التي تهم المرأة، خلقت له مشكلة ضخمة، حيث عمقت الفجوة التي تفصل بين الحزب الجمهوري والمرأة. فالحزب منذ عهد كلينتون عانى تراجعا كبيرا في فرصه وسط الناخبات، إلا أن تلك الفجوة كانت قد ضاقت في مطلع الألفية، إلى أن اتسعت من جديد هذا العام، حتى أنها طالت المرأة التي تنتمي للشريحة الأعلى في المجتمع، والتي مالت تقليديا للمعتدلين من الحزب الجمهوري.

لكن الأخطر من هذا وذاك، هو أن هناك جفاء واضحا بين رومني وقطاع ظل حاسما في فوز الجمهوريين في انتخابات المناصب المختلفة، وهو قطاع الرجال البيض من الطبقة العاملة تحديدا.

فهذا هو القطاع الذي حرص الحزب الجمهوري على أن يستقطبه، لمواجهة ميل الأقليات للحزب الديمقراطي. ورغم أن الحزب الديمقراطي يعبر بدرجة أكبر عن مصالح الطبقة العاملة اقتصاديا، إلا أن الحزب الجمهوري استطاع أن يجتذب العمال، عبر استراتيجية عنصرية أقنعهم من خلالها بأن مشكلاتهم المعيشية والاقتصادية، ليست مسؤولة عنها السياسات الجمهورية اليمينية المنحازة للنخبة الأكثر ثراء في المجتمع، وإنما المسؤول عنها هو أن الحزب الديمقراطي قد ذهب بعيدا في دعم حقوق الأقليات على حسابهم وحساب مزاياهم. ومن ثم صار هذا القطاع يعطي أصواته بانتظام للحزب الجمهوري، خصوصا في ولايات الجنوب.

لكن رومني استطاع أن يستعدي هؤلاء، ليس لأنه رفض أن يستخدم تلك الاستراتيجية الفجة في عنصريتها، وإنما لأنه لا يشعر بهم أصلا. فثراء رومني، ربما هو المسؤول عن جعله يعيش في عالم لا يتقاطع على الإطلاق مع العالم الذي تعيش فيه الغالبية الساحقة من الأميركيين، وخصوصا عالم الطبقة العاملة. وهو ما صار يعكس نفسه في صورة تصريحات فجة، لا يبدو أن رومني يفهم حتى دلالاتها ولا لماذا تغضب هذا القطاع. فهو ذات مرة تحدث عن "السيارتين الكاديلاك" اللتين تستخدمهما زوجته بالتبادل، وقال في أخرى إنه يعشق أن يكون "قادرا على أن يطرد الناس من وظائفهم". ورومني بهذه التصريحات، يظهر أقرب لنخبة وول ستريت منه للطبقة العاملة.

ولا يستطيع رومني أن يفوز على أوباما دون اليمين الديني وتيار حفل الشاي، ودون البيض بالذات الذين يقطنون ولايات الجنوب. والمشكلة ليست أن أيا من هذه القطاعات قد يعطي أصواته لأوباما، وإنما المعضلة أن تلك القطاعات قد ينقصها الحماس لمرشح الحزب، فلا تتحرك لدعمه ولا التصويت يوم الاقتراع العام، فيفوز أوباما، الأمر الذي يعني أن هناك عملا شاقا لرومني في الشهور القادمة.