خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد؛ حيث الحضارة اليونانية في أوجها، كانت أثينا نموذجا للدولة المدينة ذات النظام الاجتماعي السياسي، الذي ساهم في إثراء الدنيا بالفلاسفة والمفكرين والمبدعين والموهوبين في مجالات العلوم والفنون والآداب، وكل ما يتصل بالتأمل في وجود الإنسان والطبيعة. هذا على حين اتجهت إسبرطة، الدولة المدينة المنافسة في النسق الحضاري ذاته، إلى مراكمة أسباب القوة العسكرية وصناعة المحاربين والمصارعين، إلى الدرجة التي صارت فيها مضربا للمثل. وإلى يومنا هذا يوصف بالإسبرطية كل من مال إلى القسوة والعسكرة الزائدة، من الأفراد والمجتمعات والدول.
الثابت اليوم أن الأثينية كتب لها الخلود وعبور كل الحدود والأطر التاريخية والجغرافية والحضارية، لتحيا إلى ساعتنا كجزء من النسيج الثقافي والعلمى لمعظم، إن لم يكن لدى كافة، الدوائر الحضارية المعروفة.. لكن أحدا لا يذكر شيئا عن إسبرطة، إلا عند الاستشهاد بنموذجها على المصير المؤلم، الذي تفضي إليه العسكرة المتشددة في أي مجتمع.
وفي معرض التدليل على سخافة الادعاء بأن التركيز على العسكرة الفائضة، إنتاجا وإنفاقا، يمكنه أن يضمن المكانة والسيادة الاستراتيجية الرائدة عالميا، يصح الاستشهاد أيضا بنموذج الدولة الرومانية القديمة، التي زال ريحها وأفل نجمها، حين أفرطت في العسكرة واستندت في حكم شعوب شمال المتوسط وجنوبه، إلى القوة المسلحة وحدها بلا شريك.
لا تتعارض الشواهد التاريخية الأقرب مع القناعات المستقاة من سير الأولين.. فعند تفككه وخروجه مهزوما من المنافسة على قمة النظام الدولي، لم يكن الاتحاد السوفيتي يعاني من شح في القوة العسكرية.. بل كان عكس ذلك هو الصحيح، باعتبار أن علة ضعف هذا القطب وهزيمته الاستراتيجية، كانت في استدراجه إلى سباق تسلح مرهق، أورده موارد الفاقة والعجز عن مواصلة العطاء والوفاء بحاجات اجتماعية واقتصادية أخرى.
وتقول تقارير عالمية مختصة، إن دول أوروبا الشرقية كانت الأعلى في الإنفاق العسكري خلال تسعينات القرن الماضي، في الوقت الذي سجل فيه الإنفاق العسكري لدول غرب أوروبا هبوطا قياسيا. والملاحظ أن هذه المعطيات، تتعلق بالفترة التي انتهت بزوال سطوة النظم الشمولية في الشرق وتصدع حلف وارسو، مقابل صمود نظم الغرب وانفراد حلف الناتو بالريادة العسكرية عالميا.
وفي ظل الحجب والقيود الصارمة المانعة لتطوير كل من ألمانيا واليابان لمؤسستيهما العسكريتين وإنفاقهما على التسلح غداة الحرب العالمية الثانية، تمكنت الدولتان من تحقيق مكانة استراتيجية اقتصادية، لا يشك أحد في صدارتها على قمة النظام الدولي.
وعلى الرغم من هذه المثُلات القديمة والحديثة والمعاصرة، ثمة من يدعي راهنا أن ركود الإنفاق العسكري الأوروبي في العقد الأخير، يهدد المكانة الاستراتيجية للقارة. من هؤلاء مثلا كافيي غران، الخبير الفرنسي في الشؤون الدولية، الذي أشار في ملحق "لوموند" (2/4/2012)، إلى أن "شح موازنات الدفاع الأوروبية يتهدد القارة القديمة بالأفول الاستراتيجي وتقويض مكانتها ووزنها الدولي..".
وأغلب الظن أن هذا التقدير ينتمي إلى المدرسة الكلاسيكية، التي تزعم أن المكانة الاستراتيجية للدول ترتبط قياما وقعودا، قوة وضعفا، بقدراتها العسكرية ومقدار ما تخصصه من موارد وأموال للإنفاق الدفاعي (أو الهجومي؟!) وتطوير الجيوش.
من ظاهر تحليلاتهم ودفوعهم، يبدو أصحاب هذه المدرسة وكأنهم لا يأبهون للتوازن المطلوب بين الاستحواذ على أدوات القوة العسكرية ومظاهر التسلح، وبين الحالة الاقتصادية العامة للدولة أو الكتلة الدولية المعنية، وما إذا كانت هذه الحالة تسمح بتحمل الأعباء الثقيلة التي يفرضها طموح العسكرة الواسعة.
لا يلحظ هؤلاء "الحربجيون" أن الأوروبيين يعانون من أزمة مالية ضاغطة، توجب إنقاذ بعضهم من براثن احتمال الإفلاس الكامل. هذا بالإضافة إلى المنافسة الشرسة المترتبة على حضور قوى اقتصادية عتيدة، كالصين والهند والبرازيل، ونمور أخرى في مناطق ظلت طويلا حكرا عليهم، كالقارة الإفريقية. ولا يلحظون كذلك أن نشوء هذه الأزمات الداخلية بالتعامد مع إطلال المنافسين اليافعين خارجيا، قد تواكب مع ضمور واضح في حجم التهديدات الأمنية الحقيقية، بعد زوال الحرب الباردة. وبالتداعي، كان تخفيف الإنفاق العسكري أمرا طبيعيا، نتيجة لهذه المستجدات.
إذا انطلقنا من منطق النفعية والانتهازية، يحق لنا تصور أن المصالح المرتبطة بتنشيط أسواق السلاح وتجارة الحروب، الخالية من النوازع الأخلاقية والقانونية، هي التي تقف خلف رؤى هؤلاء المحرضين على العسكرة.. وهي رؤى وأفكار تستحق المواجهة والنبذ، ليس على الصعيد الأوروبي فقط، وإنما عالميا أيضا.