في أحد الأيام، وفيما كنت أتجول في أرجاء الأزقة الضيقة للبلدة الساحلية، فوجئت برسومات عديدة أصلية لقطط في إحدى واجهات المحال.
تتمثل إحدى مزايا العيش في مراكش، في أن المرء يمكنه أن يجد نفسه، عندما يصبح الطقس حاراً بشكل غير محتمل، وعلى بعد ما يزيد قليلاً على ساعتين بالباص، في مكان على شاطئ المحيط الأطلسي، تشبه أجواؤه الباردة جو الباص المبرد الذي يستقله للانتقال إلى ذاك المكان.
وتعد الصويرة أساساً، ميناءً لصيد الأسماك، ومن الأشياء المثيرة التي يمكن القيام بها في هذه البلدة، تناول الفطور باكراً، والسير نزولًا إلى الميناء. وهناك يمكن رؤية القوارب وهي تفرغ صيدها من الأسماك الذي تجمعه الشاحنات الكبيرة وتنطلق به إلى أسواق مراكش الرئيسية، في حين يبقى بعض منه في الصويرة، ويستهلكه العديد من السياح الذين يقصدون البلدة من كل أنحاء العالم، ليس بسبب صيدها من الأسماك فقط.
وإنما في سبيل رؤية عمارتها المثيرة للاهتمام، ومعظمها بناه البرتغاليون الذين استولوا على الميناء في يوم من الأيام، وقاموا بتزويده بأسوار دفاعية ثبتوا في أعلاها مدافع تظهر روعتها. هل تدري أن كاتب المسرحيات الأعظم لإنجلترا، وليام شكسبير، اختار موقع إحدى تحفه الفنية، "عطيل"، في بلدة موغادور، وهو الاسم الذي كانت الصويرة تدعى به آنذاك؟
في أحد الأيام، وفيما كنت أتجول في أرجاء الأزقة الضيقة للبلدة الساحلية، فوجئت برسومات عديدة أصلية لقطط في إحدى واجهات المحال. وأنا لدي ولع كبير بالقطط، ولذا كنت شغوفاً بمعرفة الفنان الذي رسمها. وقيل لي إنه فنان إيطالي، اختار منذ سنوات بعيدة إقامة منزله في الصويرة. ولقد أبلغت زوجتي، وهي أيضاً من أصول إيطالية، علماً بأنها قضت القسم الأعظم من حياتها في العالم العربي، عن هذا الفنان، فأشارت إلى ضرورة مقابلته.
من اللحظة الأولى وجدنا أنفسنا بين يدي شخص على مستوى من الذكاء والموهبة الفنية العظيمة. وسرعان ما أعربت له عن إعجابي بعمله، خصوصاً الرسومات العديدة التي رسمها للقطط. وأخبرته أنني ألفت عدة كتب للأطفال، وأرغب في إنجاز كتاب عن الصويرة وقططها المختلفة، إذ ليس مفاجئاً أن تختار القطط بسبب حبها للوجبات التي تتألف من السمك، هذه البلدة الساحلية موطناً لها، وسألته عما إذا كان على استعداد لإنجاز بعض الرسومات لمثل هذا الكتاب؟
وافق الفنان ريغيرو فوراً على العرض، وبعد يومين أحضرت له مخطوطة الكتاب الذي كنت قد ألفته باللغة الإنجليزية تحت عنوان "القطة والفنان".
وبدأ ريغيرو فوراً العمل لوضع بعض الرسومات للكتاب، وقد تضمنت رسومات رائعة لبعض الملامح البارزة لهذه البلدة الساحلية، بما في ذلك عدد من المدافع الثقيلة، التي صفها البرتغاليون على جدرانها الخارجية عندما كانوا مسيطرين على البلدة.
ثم أرسلت النص الذي ألفته والرسومات إلى دار نشر "الشروق" في القاهرة، حيث بدأوا في إصدار عدد من كتب الأطفال من تأليفي، ومعظمها كانت مستقاة من تحف من الأدب العربي الكلاسيكي، مثل "كليلة ودمنة" وغيرها من الأعمال التي تروى قصصها على لسان الحيوانات.
وصدر الكتاب، وجرى استقباله بحفاوة، لذا اقترحت على ريغيرو تأليف كتاب آخر ربما حول الساحة المشهورة في مدينة مراكش، المعروفة بساحة جامع الفنا، هذه المرة. وكانت هذه الساحة مشهورة برجالها الذين كانوا يدربون قرودهم على القيام بالخدع، وثعابينها التي تقوم بحركات غريبة في موازنة أجسامها على أذنابها، وتحريك رؤوسها بتناغم مع أصوات المزامير التي ينفخ فيها أصحاب هذه الثعابين.
لذا فكر ريغيرو في قصة عن عائلة تسكن في الريف المغربي، غير قادرة على الاسترزاق من تربية الأبقار والأغنام، لأنها لم تكن تمتلك ما يكفي من الأرض لزرع الطعام الذي تحتاجه. فقرر الأولاد تعليم أنفسهم حركات جمباز معقدة، مثل القفز في الهواء ومن ثم الدوران مرتين قبل الهبوط على أقدامهم مجدداً، أو قيام ثلاثة أو أربعة منهم بتسلق الواحد كتف الآخر، قبل القيام بقفزة بهلوانية في الجو. وبعد أن تمكنوا من تملك ناصية عدد من تلك الحركات، توجهت العائلة كلها إلى مراكش.
حيث بدأت بأداء عروضها في جامع الفنا، وبعد قيام أولئك الفتيان بأداء عدد من حركاتهم، كان واحد منهم يمر على الناس الجالسين في المقهى المقابل للمكان الذي كانوا يؤدون وصلتهم فيه، حاملاً قلنسوة في يديه، كان قد وضع فيها بالفعل عملتين معدنيتين أو ثلاثاً.
وكانت القطع المعدنية تحدث رنيناً فيما كانت تسقط الواحدة على الأخرى، مما يشير إلى أنه يريد من الغير المساهمة بمزيد من النقود. وكانت مفاجأة سارة له وجود كثير من الرجال يبادرون من دون أن يتفوهوا بكلمة، بإلقاء القطع النقدية داخل القلنسوة، وبعد أن تصبح هذه ثقيلة الوزن بتبرعات الناس، ينتقل الفتيان إلى مكان آخر ويعيدون حركات الجمباز. وفي نهاية الصباح، يقسمون القطع النقدية التي حصدوها، وينتقلون إلى موقع آخر توجد فيه مقاه. وفي نهاية اليوم، يكون كل فتى قد جنى مبلغاً لا بأس به من المال، للعودة به إلى المنزل وإعطائه لوالدته.
وهكذا قام ريغيرو برسم كتاب أطفال آخر عن هؤلاء الفتيان، الذين كانوا يؤدون عروضهم في الجمباز أمام الرجال الجالسين في المقهى وهم يحتسون القهوة، وهذا الكتاب أيضاً قبلته دار "الشروق"، على الرغم من أنه لم يبع نسخاً كثيرة، مثل الكتاب حول القطة والطريقة التي أصبحت بها صديقة لصياد الأسماك في بلدة الصويرة الواقعة على شاطئ البحر.