يبتسم تجار التجزئة الفاخرة، وكذلك الأمر بالنسبة لأصحاب المطاعم الراقية، وبائعي السيارات الفارهة، ومخططي العطلات، والمستشارين الماليين، والمدربين الشخصيين. فالركود، بالنسبة إليهم وإلى زبائنهم وعملائهم، أصبح من الماضي، والانتعاش يسير الآن بأقصى سرعته.

غير أن معظم الأميركيين لا يتمتعون بالانتعاش الاقتصادي، فالاقتصاد لا يزال مريضاً، ولا يزال العديد من قطاعاته في حالة حرجة.

وذكرت وزارة التجارة الأميركية مؤخراً أن المعدل السنوي للنمو الاقتصادي بلغ 3% خلال الربع الأخير من عام 2011 (وهو أفضل بكثير من معدل النمو الذي شهده الربع الثالث، والذي بلغ 1.8%). وقد ارتفع الدخل الشخصي كذلك، حيث جمع الأميركيون ما يزيد على 13 تريليون دولار، أي أكثر مما كان يعتقد سابقا بـ3.3 مليار دولار.

ومع ذلك، فإنه من شبه المؤكد أن كل تلك المكاسب ذهبت إلى أغنى 10% من الأميركيين، وأن حصة الأسد ذهبت إلى أغنى 1% منهم. وقد ذهب ما يزيد على ثلث تلك المكاسب إلى 15600 أسرة فاحشة الثراء، تنتمي إلى أغنى عُشر من أغنى 1%.

ونحن لا نستطيع تأكيد ذلك على وجه اليقين، لأننا لم نحصل على جميع البيانات لعام 2011. ولكن ذلك ما حدث في عام 2010، وهو آخر عام لدينا بيانات موثوقة عنه. وليس هناك سبب للاعتقاد بأن هذا المسار تغير في عام 2011، أو سيتغير خلال العام الجاري.

وفي حقيقة الأمر، فقد أصبح الانتعاش أكثر وأكثر اختلالاً، حيث استحوذ أغنى 1% من الأميركيين على 45% من النمو الاقتصادي الذي شهده عهد الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وعلى 65% من النمو الاقتصادي في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش.

ووفق تحليل لعائدات الضرائب أجراه كل من إيمانويل سايز وتوماس بيكتي، فإن أغنى 1% من الأميركيين دسوا في جيوبهم 93% من المكاسب التي تحققت في عام 2010، وقد ذهب 37% من تلك المكاسب إلى أغنى عُشر من أغنى 1%. ولم ير أولئك الذين لا ينتمون إلى الطبقة العليا، التي تشكل 10% من الأميركيين، أية مكاسب على الإطلاق.

وفي الواقع، فإن معظم الأميركيين الذين ينتمون إلى الطبقة الدنيا، التي تشكل 90% من الشعب الأميركي، آخذون في التراجع، حيث بلغ متوسط دخلهم 29840 دولارا في عام 2010، مسجلاً انخفاضاً بمقدار 127 دولارا عما كان عليه في عام 2009، وبمقدار 4843 دولارا عما كان عليه في عام 2000.

ومن جهة أخرى، فإن المنافع التي يوفرها أصحاب العمل، تواصل انخفاضها بين أفراد الطبقة الدنيا، وذلك وفقا لوزارة التجارة الأميركية، إذ انخفضت نسبة الأشخاص الذين يوفر لهم أصحاب عملهم تأمينا صحيا، من 59.8% في عام 2007 إلى 55.3% في عام 2010. كما انخفضت نسبة موظفي القطاع الخاص من ذوي خطط التقاعد، من 42% في عام 2007 إلى 39.5% في عام 2010.

وإذا كنت من بين الـ10% في القمة، فإن جزءا كبيرا من مدخراتك سيكون في سوق الأسهم، الذي أتاح لك تحقيق مكاسب جيدة على امتداد العامين الماضيين. وقد ارتفعت قيمة الموجودات المالية التي يحتفظ بها الأميركيون، بنسبة 1.46 تريليون دولار خلال الربع الرابع من عام 2011.

ولكن إذا كنت من بين الـ90% في القاع، فإنك تملك حفنة من الأسهم، أو لا أسهم على الإطلاق، وأثمن ما تملكه هو منزلك. وقد انخفضت أسعار المنازل بما يزيد على الثلث عن ذروتها في عام 2006، وهي تواصل انخفاضها. وقد انخفض متوسط أسعار المنازل في فبراير الماضي، عما كان عليه في العام 2010 بنسبة 6.2%.

ولا تريد واشنطن الرسمية الحديث عن هذا الانتعاش غير المتوازن. أما إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما فتتحدث عن الانتعاش فحسب، دون الإشارة إلى مدى ضيقه.

ويفضل الجمهوريون عدم الحديث عن اتساع الفجوة الاقتصادية. ومن شأن خطة الميزانية التي أعلن عنها مؤخراً بول ريان والجمهوريون في مجلس النواب (وأيدها ميت رومني)، أن تزيد من تفاقم انعدام التوازن، من خلال خفض الضرائب المفروضة على الاغنياء إلى حد كبير، وتقليص الخدمات العامة التي يعتمد عليها الجميع.

ويقول بن برنانكي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي، الذي لا يضطر إلى مواجهة الناخبين يوم الانتخابات، إن اقتصاد الولايات المتحدة يحتاج إلى النمو بوتيرة أسرع، لإنتاج ما يكفي من فرص العمل من أجل خفض معدل البطالة. ولكنه يغفل عن النقطة الأهم.

لا يمكننا على الأرجح أن ننمو بشكل أسرع، إذا كانت الأغلبية الساحقة من الأميركيين، التي تواصل تراجعها، لا تملك ما يكفي من المال لشراء مزيد من الأشياء التي ينتجها العمال الأميركيون. ولا يمكن لما ينفقه أفراد الطبقة العليا، وهم وحدهم المستمرون في التقدم، أن يكون كافياً لدفع عجلة الاقتصاد.