عندما قلت في هذا المكان يوم الإثنين الماضي، إن التهديد الحقيقي لهويتنا الوطنية يأتي من الداخل، وهو عدم الشعور الحقيقي بالمواطنة لدى بعض أبناء الجيل الذي يتشكل اليوم، وتغيّر نمط التفكير الذي أصبح يشكل الخطر الأكبر في مسألة ضياع الهوية بدخول أفكار غريبة على عقولهم.
وضربت على ذلك مثلاً نمط تفكير طالب إماراتي تلقى تعليمه في مدرسة خاصة، عندما قلت ذلك توقعت أن يتفق معي البعض ويختلف معي البعض على الفكرة نفسها، لا على المثال الذي طرحته، لكنّ ما حدث هو العكس، فكان الاختلاف على المثال، لا على أصل الفكرة المطروحة في المقال.
هذه واحدة من الظواهر التي تستحق أن نلتفت إليها، تبدو بشكل جلي في التعليقات التي ترد على مقالات الكتاب في المواقع الإلكترونية المختلفة، وتؤدي إلى التحول عن الموضوع الأساسي والدخول في جدل بين القراء أنفسهم، يبلغ أحياناً درجة المهاترات والسباب وتبادل الاتهامات وإثارة النعرات الطائفية والعرقية، وتعصُّب كل قارئ لبلده، وبث الفتن بين أبناء الأمة التي لا ينقصها الخلاف والتشرذم.
في تعليقات القراء على مقال الهوية الذي أشرت إليه، لم تصل الأمور، ولله الحمد، إلى هذه الدرجة، لكن أحد القراء الأفاضل انبرى للتعليق على المقال بأسلوب ساخر، فدعاني إلى مطالبة الحكومة بكل الطرق المشروعة لتسفير الوافدين من البلد، لأنهم طمسوا هويتنا الوطنية، وأصبحنا غرباء في بلدنا.
بل إن الجرأة وصلت بهم إلى أن يأكلوا من خير البلاد ويتبطروا، والتعبير هنا للقارئ الكريم، ثم استدرك قائلاً: لكن سؤالاً يطرح نفسه؛ من الذي سينظف الشارع الذي أمام بيتي وبيتك؟ صدقني، ستتحول بيوتنا إلى مزابل، لأننا وبكل بساطة... (وأعتذر عن إيراد اللفظ الذي استخدمه القارئ متحدياً أن نقوم بتنظيف الشارع).
هذا الرأي الذي طرح سؤالًا وأجاب عليه، ردت عليه قارئة فاضلة قائلة إننا نحن الذين أضعفنا روح الهوية، يوم أن تخلينا عن كل مهنة شريفة مارسها الأجداد، وانشغلنا بالبحث عن لقمة العيش التي تأتينا من وراء المكاتب الأنيقة، ومن خلف أجهزة الحواسيب، مضيفة أن الشعب الإماراتي منذ الطفرة النفطية صار يبحث عن الراحة، ويفتش عن العيش من أبسط السبل وأيسرها. واختتمت قائلة: أستطيع أن أحصي أكثر من مئة مهنة ترفّع مواطنو هذا الزمن عن القيام بها، ثم نتساءل: لماذا اهتزت ثقة الجيل في هويته وأصالته؟
يؤيد هذا الرأي ما يقوله قارئ صومالي مولود على أرض الإمارات، لكنه هاجر إلى النرويج وحصل على جنسيتها وأكمل دراسته الجامعية، عاتباً على بلده الإمارات التي لم يستطع إكمال دراسته الجامعية فيها، لأن ظروف تجديد الإقامة مزعجة، كما يقول في رسالته. يقول القارئ الكريم:
نحن في النرويج، سائق الباص، التاكسي، النجار، وجميع المهن من أبناء البلد الذين يمكن أن تقول إن لديهم نفس مقومات الإمارات "دولة بترولية". الشاب ابن 16 سنة يحصل على عمل في حضانة أو محل، أوقاتاً محدودة بجانب الدراسة، ولا يحتاج أن يسأل أهله، والذي يساعد هو عدم وجود هذه الكثافة من البطالة.
رأيان تبدو لكل واحد منهما وجاهته، كما أن لكل منهما مؤيديه ومناصريه، لكنّ توجيه النقاش هذا المنحى يبتعد بنا عن أصل القضية ليصب في فرع من فروعها. فأصل القضية هو البحث في عقول أبنائنا من هذا الجيل، الذين نعول عليهم كثيراً .
ونحن نخطط لمستقبل الوطن الذي عانى الآباء المؤسسون وهم يضعون اللبنات الأولى له كي يجعلوا منه كياناً ثابت الأركان قوي البنيان، يجمع أبناؤه بين الأصالة والمعاصرة. يتجلى هذا في الكثير من أقوال المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كما يتجلى في أفعاله التي تدل على النظرة الثاقبة التي كان، رحمه الله، يتمتع بها، وتشكل واحدة من أهم سمات شخصيته الفذة.
لذلك فإننا حين ندعو إلى البحث في عقول أبنائنا لتخليصها من الأفكار الغريبة التي تسللت إليها، بفعل التركيبة السكانية المختلة التي وُلِدوا فوجدوا أنفسهم يعيشون وسطها، وبفعل المناهج الدراسية التي لا تعمل بشكل فعّال على ترسيخ الروح الوطنية فيهم، خاصة في المدارس غير الحكومية.
فإن هذا لا يعني أننا ندعو إلى "تسفير الوافدين من البلد" وفق تعبير القارئ الذي أعتقد أن الفكرة لم تصل إليه واضحة، بمعزل عن المثال الذي استشهدت به في المقال، فنحن لا ننكر أننا سنبقى إلى وقت طويل بحاجة إلى العمالة الوافدة، طالما اخترنا لأنفسنا هذا التمدد العمراني الزائد عن عددنا وحاجتنا، وطالما استمرأنا حياة الرفاهية التي تتطلب حزمة من الخدمات لا يفي بتقديمها عددنا كمواطنين، وطالما ظلت الثقة بالمواطن منقوصة أو مفقودة في كثير من المواقع.
هذا البحث الذي ندعو إليه، سيقودنا إلى مجموعة من الحقائق، الكثير منها صادم، وسيحتم علينا حلولًا، الكثير منها صعب. وهو بحث ربما يجعلنا نعيد النظر في الكثير من الأفكار والنظريات والرؤى التي نعتقد أنها صحيحة، في الوقت الذي يؤدي انقيادنا لها إلى المزيد من القرارات الخاطئة التي تسهم في تدمير هويتنا.
ليس في شكلها الظاهري الذي يمكن معالجته عبر البرامج التي ينظمها بعض الوزارات والهيئات المختصة، وإنما في عمقها الذي يتسلل إليه التشويه، بينما نقف نحن متفرجين، ثم نمضي بعد ذلك متباكين على الهوية التي تضمحل وتتآكل من الداخل، أكثر مما تُطمَس في الخارج، وإن كان كلا الأمرين محزن وخطير، وباعث على الخوف والقلق.