أخذت الولايات المتحدة العزم لإنهاء الحرب ضد الإرهاب، وكان إعلان الرئيس أوباما في القاهرة محاولة مد اليد للإسلام والمسلمين والدول الإسلامية، للتعاون والتفاهم وإعلامهم بأن أميركا ستقدم على خطوة استراتيجية في هذا الاتجاه.
أما بالنسبة لمعظم المستمعين فقد بدا خطابه رسالة غامضة، فسرها البعض بأن أميركا أصبحت ترى أن "بؤرة حجة الإرهاب" تكمن في القضية الفلسطينية، ويجب أن تعالج بالفعل وليس بالكلام.
تتطلب الاستراتيجية الأميركية ترتيباً إقليمياً جديداً، لم تنجح في إقامته أول مرة بغزو العراق، فأصبحنا (الدول العربية والإسلامية) معامل أكاديمية لنظريات بناء الدولة، فتعددت النظريات والخراب واحد. لقد فشلت نظرياتهم الديمقراطية والعسكرية والأموال التي أهدرت وتسببت في الكثيرمن الدمار وعدم الاستقرار الإقليمي والدولي (الكاتب، البيان 17/4/2010)، أما آن الأوان للرجوع إلى الوراء، حيث كانت الأمور أقل تعقيدا وأكثر مرونة؟!
تتضح الاستراتيجية الأميركية شيئا فشيئا، ليصبح أحد أهدافها المهمة إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والذي يتطلب إعداد العرب وإيران للاعتراف والتعامل مع إسرائيل، وعلى إسرائيل الاعتراف والتعامل مع الفلسطينيين، وهذا بطبيعته يتطلب تغيير قيادات ونظم الكثير من الدول، ولن تكون إسرائيل معصومة من آفة الربيع العربي، ونموذج "المجلس الوطني" أصبح قابلا للانتشار، وليس من المستبعد أن يصل لدول خارج العالم العربي. إننا في مرحلة ما بعد ولادة فلسطين (وكما ذكرنا سابقا، فإننا لا نستبعد أن تقوم إسرائيل باتخاذ جميع الوسائل لعرقلة ذلك).
ابتدأت عملية تنفيذ الاستراتيجية الأميركية، عندما سمحت للمكتب التمثيلي الفلسطيني في واشنطن برفع علم فلسطين، ولم يستوعب العرب تحرك أميركا ولم تصدق إسرائيل أن أميركا جادة وقد تحركت بالفعل، ودخل إغلاق ملف الإرهاب حيز التنفيذ بالنسبة للقاعدة، بينما يتم تسييس طالبان تماما كالنموذج الإيرلندي (الجيش الجمهوري الإيرلندي). إننا في مرحلة الترتيب الجديد، أو بالأحرى إعادة الترتيب، والتي كان أول من أطلقها الرئيس بوش الأب بعد حرب الخليج الثانية، فالترتيب الجديد بكل بساطة، كالشمعة تتم إذابتها ومن ثم يتم تجميدها في شكل جديد.
للترتيب الجديد مفاهيم مختلفة، فالعاطل اليائس والفتاة العانس والمجتمع البائس، ما هي إلا تراكمات قرارات اقتصادية خاطئة، ومن الصعب تصور أن أنظمة أوصلت دولها للحضيض قادرة على إعادة كتابة التاريخ. وعدا ذلك فهناك النظم العسكرية الحاكمة في معظم دول المنطقة، والتي تشهد دولها تحولا عنيفاً نحو نظم مدنية، ويعود لأيدولوجيا العسكر تعثر مشاريع النهضة العربية، فتدريبهم واحد وهو التميز في القتل واستراتيجيتهم اثنان لا ثالث لهما؛ الاستيلاء والتدمير، أو الاستيلاء والمحافظة. إننا نحتاج إلى جيل لتعمير ما دمروه، وآخر للنهوض بالعرب (نتكلم عن جيلين، فهل هناك من مختزل "قائد"؟).
إننا في غشاوة إن لم نحاول معرفة ما يدور حولنا من إذابة وتجميد، فنحن حقا في حرب مع أنفسنا لم يشهدها تاريخ العرب، يسقط فيها الآلاف في المشرق والمغرب، لماذا قتلوا؟ لا ندري، لمن قتلوا؟ لا ندري.. ربما لتمكين الإذابة، فهي تتطلب قوة هائلة سواء عسكرية أو مدنية، وفي كلتا الحالتين هناك الكثير من استخدام العنف، وأحياناً العنف المفرط، ومن النادر أن يأتي التدخل الخارجي بدون قوة عسكرية، وهناك أمثلة نادرة في شخص الرئيس جمال عبد الناصر عندما كان يقف على منبر وتسقط حكومات عربية وتذوب له شعوبها، إلا أنه فشل في عملية "التجميد" التي ما زالت مصر والعرب يعانون منها.
تتطلب إدارة الإذابة والتجميد، المزيد من الحكمة والحنكة السياسية والمهارة الدبلوماسية، وقد استفاد الغرب من دروس الإذابة والتجميد الأميركية في أفغانستان والعراق. وما يهمنا هنا هو أين سيأخذنا هذا التجميد؟
لقد اتضح أن أحد أهداف استراتيجية "التجميد"، بشهادة كل من الرئيس الفرنسي ورئيس وزراء بريطانيا في إعلان مشترك على الأرض الليبية بعد انتهاء الثورة الشعبية، هو تأكيد أن "تبعية المغرب العربي لأُوروبا". هل هناك من جدل؟ المحك الحقيقي هو المشرق العربي، ونحن في بداية النهاية والطرق ملتوية ودامية، ومصر ما زالت في مرحلة الإذابة والطريق أمامها حرج ومليء بالمخاطر، إلى أن تتبوأ مكانتها الطبيعية كقوة إقليمية.
مرحلة ما بعد الترتيب الجديد، تشكل معضلة أخرى تتطلب وضع التدابير والاستراتيجيات المختلفة لدرء أية مخاطر محتملة، من زحف تركي أو روسي أو إيراني، واتخاذ تدابير أخرى لبث الأمن والاستقرار في استدامة لحقبة تطول قرناً من الزمن. وهناك أفكار ومشاريع مختلفة لتحقيق ذلك، ومنها بناء نظام هيكلي يعرف بهلال النفط، وإعادة هيكلة الهلال الخصيب، ليحمي الأول الجنوب والثاني الشمال.
أما هلال النفط فيحتضن النقد والغاز والنفط في أيدي عرب مسلمين، ذوي نفوس سخية نحو المشرق والمغرب وأينما تواجد إخوانهم العرب والمسلمون، وكذلك الإسهام بآلاف المليارات من الدولارات سنوياً لبناء الاقتصاد الحقيقي لتلك الدول العربية والإسلامية، لنزع ما تبقى من الحجج الإرهابية من الجوع والفقر والبطالة، وأيضاً الإسهام في الاقتصاد العالمي بمشاريعه العملاقة ورديفا للمتطلبات الاستراتيجية الدولية (الكاتب، البيان 16/3/2010)، والإشكال هنا يدور حول كيفية بناء هيكل كهذا؟
إن الحكمة تقضي فعل ما ينبغي كما ينبغي في الوقت الذي ينبغي، والحكيم من يرى ما قبل اللحظة الراهنة ويستشرف ما بعدها، وأخيرا الواقع له عقلانيته والمستقبل ضرب في اللاعقلانية، ويجب ألا نصدق كل شيء، وأن نتوقع أي شيء.