مع نهاية الربع الأول لعام 2012، تكون ثلاث سنوات قد مرت منذ طلائع أزمة الرهن العقاري التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية، والتي سرعان ما تحولت إلى أزمة مالية انتشرت كالنار في الهشيم، متحولة إلى أزمة اقتصادية دولية، أثقلت تداعياتها على دول الاتحاد الأوروبي.
وتكفي الإشارة إلى الجهود التي تبذلها الدول الأوروبية لإنقاذ اقتصاد اليونان من الانهيار، والدلائل تشير إلى أن الحالة في إسبانيا والبرتغال في حاجة إلى عملية نقل دم سريع. وفي الوقت الذي أربكت الأزمة الاقتصادية العالمية اقتصاد دول أوروبا التي ما زالت تكابر، وهي تتدثر بثوب اليورو، في عصر العولمة، لإخفاء الحقائق حول تأثير الأزمة الاقتصادية على تلك الدول.
والذي كشفته مداولات منتدى "دافوس" وقمة مجموعة الـ20 التي راهنت على سياسة البنك المركزي الأوروبي، التي روج لها "ماريو دراغي" رئيس البنك، للقضاء على أوجاع اليورو.. حتى يمكن تفادي الجلطة الدماغية، بخفض معدلات التضخم وتخفيف أعباء الديون وتعزيز التنافسية في منطقة اليورو.
وما سماه رئيس الوزراء البريطاني (ديفيد كاميرون) "اللحظة الخطيرة"، والتي لا يعرف أحد تماماً ما هو الأثر طويل الأمد الذي قد تحدثه، إلا إذا تم القضاء على مشكلات قطاع الخدمات المصرفية وتحرير الحواجز على التجارة.
المعلوم أن اليونان سقطت في مصيدة الديون بعد انضمامها لمنطقة اليورو، مع البرتغال وإسبانيا وإيطاليا، لأنها دخلت في دوامة الاقتراض المفرط بسبب حصولها على نفس معدل الفائدة الذي حصلت عليه ألمانيا، وها هي تدفع الثمن، ولا حل أمامها إلا بخفض مستوى المعيشة والتقشف، وهو ما يرفضه الشارع اليوناني لأنه لا يحل مشكلة ديون اليونان البالغة 160% من إجمالي ناتجها المحلي.
أكتب هذه السطور للتذكير بأن عولمة الاقتصاد أدخلت اقتصادات الدول النامية والناشئة في ذات الخندق، ولعل من مزايا الدول الأوروبية أن قادتها يجمعهم دافوس بانتظام للتداول بشأن المشاكل الاقتصادية التي تواجه دولهم لإيجاد حلول ناجحة لها، وهو ما نفتقر إليه في منظماتنا الإقليمية.
لكن المتتبع لتقارير صندوق النقد والبنك الدوليين، يدرك أن دبي استطاعت تجاوز الأزمة واستمرار التنمية، وقد عبرت عن ذلك مجلة "الإكونوميست" التي أوردت أن "إمارة دبي تعافت تماماً من تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية بفضل المبادرات والالتزام الصارم برؤية ورسالة وقيم ومبادئ ومنهج استراتيجية حكومة دبي والخطط الإسعافية السريعة التي تبنتها وبسببها تجاوزت إسقاطات الأزمة الاقتصادية العالمية بصمت وبكبرياء". وخلال السنوات الأربع اللاحقة للأزمة الاقتصادية، حددت استراتيجية دبي معالم الطريق للسير في اتجاه ثلاثي الأبعاد بني على ثلاثة مرتكزات، وهي:
* التنمية الاقتصادية: وتعمل على الاسترشاد بمقومات الاقتصاد الحر المنفتح والمتفاعل مع أسواق العالم، فضلاً عن تمكين الشراكة الاستراتيجية بين القطاعين العام والخاص عبر المبادرات الخلاقة، وهو ما يجري تنفيذه على الأرض حالياً.
* التنمية الاجتماعية: ومن أولوياتها حماية الهوية والثقافة الوطنية والحفاظ على الخصوصية، مع تحقيق العدالة والمساواة الاجتماعية من خلال تطوير وتوظيف الموارد البشرية.
* البنية التحتية: عملت حكومة دبي على توفير بنية تحتية ذات مواصفات عالمية حتى تلبي توقعات واحتياجات المستفيدين، مع مراعاة اشتراطات البيئة وضمان إصحاحها.
وقد ترافق مع هذه المنطلقات الرئيسية، مقوم "الأمن والعدل والسلامة" لضمان العدالة والمساواة للجميع، مع المساءلة والتركيز على النتائج والتميز الحكومي في خدمة المتعاملين، والعمل لتمكين التجربة الاتحادية في الإمارات.. وهكذا مضت دبي متبنية مفاهيم الشفافية والمساءلة والمصداقية والاستدامة.
ولعله من الجدير بالذكر أنه لم يكن بوسع دبي امتصاص تداعيات الأزمة الاقتصادية وتجاوز مضاعفاتها بسهولة ويسر، لولا مبادرات القيادة الرشيدة التي دعمت بيئة الأعمال والاستثمار، وطمأنت القطاع الخاص الذي أبقى على مدخراته في المصارف المحلية، لثقته التامة بالسياسة الاقتصادية لحكومة دبي، فعكف القطاع الخاص واستمر، رغم ندرة السيولة عندئذ، في القيام بتنفيذ العديد من المشروعات الاقتصادية والاستثمارية الكبرى.
وكان من جراء تلك السياسة الحكيمة أن ارتفع دخل الفرد بمعدل نمو سنوي تجاوز 6%، وصار دخل الفرد في دبي يضاهي بل يتجاوز دخل الفرد في بعض الدول المتطورة كسنغافورة وهونغ كونغ، مع العلم أن هذه الدول لم تبلغ هذه المعدلات إلا بعد عقود زمنية طويلة.
وهنا لا بد من الإشادة بالدور الذي أسهم به كل من القطاعات غير النفطية وقطاع الخدمات الذي تجاوز مستوى نموه السنوي 21%، وبفتح مجالات نمو اقتصادي جديدة والأخذ بسياسة تنويع مصادر الدخل، بالتركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة، ما مكن دبي خلال ثلاثة أعوام من تحقيق قفزات اقتصادية عالية. إن تجاوز دبي للأزمة الاقتصادية الدولية في مدى زمني قياسي .
بينما ما زالت كبرى البلدان الأوروبية تبحث عن مخرج، ما كان يمكن أن يحدث لولا الرؤية الاستشرافية لحكومة دبي، التي استطاعت بمهارة فائقة إنزال مبادئ وأهداف استراتيجية دبي إلى أرض الواقع، وفي تقديري أن دبي يمكن أن تهدي تجربتها إلى بلدان أخرى عديدة لتستفيد منها.