حين شُكلت حكومة إقليم كردستان العراق أخيراً برئاسة نيجرفان البارزاني رفضت كتلة التغيير «غوران» التي لديها خمسة وعشرون نائباً في برلمان الإقليم المشاركة فيها رغم الضغوط التي تعرضت لها ورغم الإغراءات التي قُدمت إليها وفضلت الأخذ بخيار المعارضة، وهو قرار صائب بكل تأكيد يصب في مصلحتها ومصلحة الإقليم كذلك.
فقرار الرفض هذا يسمح لها بحرية التحرك سياسياً وإعلامياً لمواجهة الحكومة من جهة، ويلزم حكومة الإقليم على اختيار المسارات الأقل مدعاة للتساؤل في ممارساتها لمهامها خشية عيون المعارضة الساهرة، من جهة أخرى.
من جانب آخر لم تتمكن القوى السياسية في بغداد من الارتقاء إلى مستوى هذه الممارسة، فالقائمة «العراقية» التي وقفت على مدى السنتين المنصرمتين منافساً ومناكفاً لكتلة «دولة القانون» التي تهيمن على مفاتيح النفوذ لم تذهب إلى المعارضة على الرغم من أنها في الحقيقة كتلة سياسية معارضة لها أجندتها الخاصة المتعارضة في العديد من محاورها المهمة، محلياً وإقليمياً، مع أجندة «دولة القانون».
ومع أن كتلة «دولة القانون» التي يتزعمها رئيس الوزراء المالكي عملت على إضعاف وتهميش الكتل السياسية الأخرى وبضمنها حلفائها في التحالف الوطني وشركائها الأقربين في العملية السياسية (الكرد)، إلا أن موقفها من «العراقية» مختلف جداً، فالصراع معها يتجاوز الأطر السياسية إلى أطر أخرى.
فقد تعرضت هذه القائمة إلى استهداف منهجي منذ الانتخابات الأخيرة عام 2010 التي فازت فيها بالمركز الأول حيث حرمت من حقها في تشكيل الوزارة في مشهد احتقاني تصدرته الاصطفافات المذهبية، ثم حُرمت لاحقاً من حق امتلاك بعض مفاتيح النفوذ التي أقرت في اتفاقية أربيل التي أنهت الأزمة الوزارية التي كانت مستعصية على الحل.
«العراقية» تشكو من التهميش وتتهم رئيس الوزراء وحزبه ( حزب الدعوة ) بالسير وفق نهج فردي ديكتاتوري لتكريس حكم الحزب الواحد، وتهدد بين الحين والآخر بالخروج من الحكومة، ولا يتوانى القياديون فيها عن إطلاق التصريحات التي تعكس مدى إحباطهم ومدى عجزهم عن تقويم المسارات موضع نقدهم في العملية السياسية.
ومع أن ذلك يشكل عوامل ضغط مستمر على الحكومة ومصادر إزعاج وإحراج لها محلياً وإقليمياً إلا أنها ليست بالقدر الذي يؤثر على سياساتها سيما أنها لم تحظ بتعاطف يذكر من قبل الكتل السياسية الأخرى المشاركة في الحكومة. فقد تمكنت حكومة المالكي من امتصاص هذه الضغوطات عبر آليات سمحت بتمييع المواضيع الساخنة وتأجيل البت بها.
أصبح من الصعب الحديث عن فرص لتجاوز الخلافات أو لتنقية الأجواء بين «العراقية» و«دولة القانون»، فذلك لم يعد واقعياً، فالخلافات بين أجندتيهما وممارساتهما عميقة جداً، حيث تتخذ العلاقة بينهما، في بعض الأحيان، طابع العداء المكشوف، مما يجعل استمرار بقائهما معاً فيما يسمى «حكومة الوحدة الوطنية» أمراً عقيماً.
فما الذي يبقي «العراقية» في حكومة واحدة مع «دولة القانون»، ولمَ لا تنفذ تهديداتها المتكررة بالانسحاب من الحكومة والتوجه نحو المعارضة؟
يعزي البعض في تحليلاته عدم انسحاب «العراقية» من الحكومة وانتقالها إلى المعارضة إلى الضرر الذي يلحق بمصالح بعض قياداتها التي تتمتع ببعض الميزات الوظيفية والاجتماعية وهي داخل الحكومة، ومع ما في هذا التحليل من قسوة، إلا أنه ليس بمستبعد في أجواء العملية السياسية التي تفتقر إلى معايير كثيرة، ولكن ذلك ليس، بكل تأكيد، سبباً جوهرياً.
وللتكهن بالأسباب الحقيقية لبقاء «العراقية» داخل الحكومة وخارجها في الوقت نفسه لا بد من التطرق إلى عوامل عديدة تلعب دوراً في ذلك، بعضها داخلي يتعلق بتركيبها وبعضها الآخر يتعلق بإرادات إقليمية ودولية.
"العراقية» ليست حزباً له رؤية واستراتيجية وبرنامج عمل يلزم أعضاءه بالتقيد به، حالها مشابه لحال التحالف الوطني الأكبر حجماً الذي يقود العملية السياسية، فهي تجمع انتخابي من كتل سياسية متعددة لها أهداف وأجندات متباينة بعضها يمكن وضعه في خانة اليمين السياسي وبعضها في خانة الوسط والبعض الآخر في الخانة القومية وبعضها في الخانة الليبرالية مع ميل للبعض القليل منها نحو اليسار المعتدل.
فهي بهذه التشكيلة من الصعب أن تحتفظ بوحدتها دون إقامة معادلات توازن تسمح لها بالبقاء في أجواء العملية السياسية المعقدة والملبدة بالغيوم الكثيفة. فخيار الخروج من الحكومة لا يحظى بموافقة جميع أطيافها، كما أن خيار البقاء في الحكومة لا يرضي هو الآخر أطيافاً أخرى فيها.
فقد سبق أن قررت «العراقية» مقاطعة اجتماعات المجلس النيابي وتعليق حضور وزرائها اجتماعات مجلس الوزراء إلا أنها عادت وقررت العودة إلى مجلس النواب في التاسع والعشرين من يناير 2012، وأنهى وزراؤها تعليق حضورهم جلسات مجلس الوزراء في السادس من فبراير المنصرم بعد أن رفض ثلاثة من هؤلاء الانصياع لقرار المقاطعة. لذا نشهد التذبذب في الموقف بين الرغبة في «الخروج» والرغبة في « البقاء» تتصارعان وفق مستوى بارومتر الأحداث.
من جانب آخر من الصعب تصور ما يجري في العراق بمعزل عن الإرادة الأميركية وعن إرادات دول الجوار القوية التي لها أجندات مختلفة بل ومتعارضة في العراق منذ أصبح ساحة صراع بين مصالحها المتضاربة.
الولايات المتحدة ترى أن الضامن لبقاء العملية السياسية التي أشرفت على هندستها، رغم هزالتها واهتزازها، هو الحفاظ على أبرز ثوابتها: بقاء جميع الأطراف فيها أولًا، وبقاء رئيس الوزراء المالكي بموقعه الحالي ثانياً، فذلك هو الوضع الأفضل بالنسبة لمصالحها في ضوء التوازنات السياسية الحساسة القائمة في المنطقة. أما العثرات التي تحدث بين الحين والآخر.
والتي أصبحت كثيرة في الآونة الأخيرة، فالولايات المتحدة تتدخل لمعالجتها بالقليل من المناورات والكثير من الضغوط، البينة والخفية، فالملف العراقي لم يوضع بعد في أحد أدراج مكتب نائب الرئيس جوزيف بايدن بل لا يزال على طاولته.
من جانب آخر تتعرض «العراقية» لضغوط أخرى من قبل عدد من الدول الإقليمية التي لا تخفي تعاطفها معها والتي لا تحبذ انسحابها من الحكومة لأن ذلك يخل بتوازنات قائمة من مصلحة هذه الدول إدامتها منعاً لمزيد من الاختلال لصالح قوى إقليمية أخرى في حالة تنافس شديد على النفوذ في الوسط العراقي.