كان يفترض مع وجود الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، فضلا عن العولمة والتكنولوجيا المتقدمة، أن يتم التغلب على الاختلافات الثقافية والجغرافية والوطنية الغابرة، ويتم لم شمل الناس. ولكن على الرغم من مظهر التكنولوجيا المتقدمة الذي يميز القرن الحادي والعشرين، فإن العالم لا يزال يشبه إلى حد كبير ما كان عليه خلال السنوات المئة الأخيرة، بل وقبل ذلك بكثير.

وبعد الأزمة المالية اليونانية وظهور الهيمنة المالية الألمانية، تتوجس أوروبا مرة أخرى مما يسمى بالمشكلة الألمانية. فهل ينبغي للأوروبيين أن يعجبوا بصناعة الشعب الألماني، أو يخافوا من أن هذا النوع من الكفاءة والحماس سيترجم في نهاية المطاف، كما حدث في أعوام 1870 و1914 و1939، إلى تفوق سياسي وعسكري ألماني؟

إن تقسيم ألمانيا والتهديد السوفيتي وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي والشعور بالذنب حيال الحرب الألمانية على امتداد نصف القرن الماضي، كلها ساهمت في قمع التفرد الألماني، غير أن الحقيقتين الأوليين قد تلاشتا، والحقائق الثلاث الأخيرة قد تتلاشى عما قريب. ومرة أخرى، ليس هناك من يعرف تماما كيف يتعامل مع النزعة الاستثنائية الألمانية. وفيما يبدو، فإن حدود ألمانيا وعملتها تتغير، ولكن أخلاقيات العمل منقطعة النظير التي يتحلى بها الشعب الألماني وإنتاجيته، لا تتغير.

دعنا نلقي نظرة على العنف المتفشي في العالم اليوم، فبعد مرور أكثر من عقد من الزمان على أحداث 11 سبتمبر، لا يزال شق كبير من العنف يتركز في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، ومن المحتمل جداً أن تتحول احتجاجات الربيع العربي إلى قمع الخريف العربي.

فالنيران تشتعل في سوريا، والقنابل تنفجر بشكل شبه يومي في كل من أفغانستان والعراق وباكستان، والصواريخ في وضع الاستعداد في كل من غزة ولبنان. والفاشية والشيوعية والبعثية والقومية العربية والأنظمة الاستبدادية المختلفة، كلها تأتي وتذهب، ولكن الطبيعة القبلية في منطقة الشرق الأوسط، في ظل عالم معصرن وغرب منافس، تبدو بطريقة أو بأخرى على ما هي عليه، سواء في شرق المتوسط في القرن السادس عشر أو في مضيق هرمز في القرن الحادي والعشرين.

وهناك حكام أوتوقراطيون في روسيا مرة أخرى. وبدءاً من القياصرة والشيوعيين السوفييت إلى أعوان فلاديمير بوتين، فإن هناك ما يزعج روسيا الأم في الحكومة الدستورية أو الحكم الليبرالي. وكلما سعى الغرباء التقدميون إلى وعظ الروس أو إصلاحهم، ازداد احتمال اتخاذهم موقفاً معادياً وانضمامهم إلى الرجال الأقوياء القوميين في اليسار أو اليمين. وفي الوقت الحاضر، لا نعرف ما إذا كان سيكون هناك القيصر فلاديمير أو الرفيق بوتين، أو شركة بوتين في موضع المسؤولية، ولكننا نخشى أن ذلك لا يهم كثيرا.

وعلى امتداد قرون، شهدت مفترقات الطرق الجبلية في منطقة البلقان، حروباً عقائدية. ومن اغتيال الأرشيدوق فرديناند إلى حملة التطهير العرقي التي شنها سلوبودان ميلوسوفيتش، فإن منطقة البلقان لا تزال تشكل برميل بارود بالنسبة لأوروبا. والآن، مع أعمال الشغب والاضطرابات في أثينا، يهز زلزال مالي بدأ في يونان البلقان الصغيرة، نحو 500 مليون شخص في أرجاء الاتحاد الأوروبي.

وليست أميركا مستثناة من هذه القوالب النمطية، ففي أوقات متقاربة يشارك الأميركيون على مضض في عمليات عسكرية خارجية، ويسعون جاهدين إلى إعادة تشكيل العالم ليصبح كما يتخيلونه، ويشعرون بالإحباط لأنهم لا يستطيعون ذلك، ثم يبدأون في فك الارتباط ونزع السلاح، ويعودون إلى وطنهم ويتعهدون بالبقاء هناك، قبل بدء الدورة من جديد.

فبعد الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، وحربي كوريا وفيتنام، والحروب الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، قلنا: "لن نفعل ذلك مجدداً".. لنقوم بعد ذلك بتقديم المواعظ والتدخل من جديد، على نحو فصامي. وفي أوقات معينة، ظن كل من وودرو ويلسون وفرانكلين روزفلت وليندن جونسون وجورج بوش، أنهم يستطيعون جعل العالم مكانا آمنا للديمقراطية، في حين افترض كل من كالفين كوليدج وجيمي كارتر وباراك أوباما، أننا لا نملك المال ولا القوة للمحاولة.

وجاءت الأيديولوجيات والمنظمات المعالجة لكل شيء بطريقة مماثلة، وذهبت. وتعهدت الفاشية والشيوعية والاشتراكية والدولة الكينزية، التي دعت إلى إعادة توزيع الدخل، بتقديم إنسان جديد أفضل، ولكنها في الغالب لم تجلب أي سلام أو ازدهار.

واستجابة لهذه التنبؤات المحبطة، فإن النخب التكنوقراطية لا تزال تحلم بحلول دولية. وكانت عصبة الأمم فكرة نبيلة، ثبت أنها تشكل دفيئة لا صلة لها بالموضوع. وليس هناك من لا يزال يصدق أن هيئة الأمم المتحدة الطنانة، هي أكثر بكثير من مجرد مجتمع نقاش جماعي. ويسير الاتحاد الاوروبي غير الديمقراطي على درب شارلمان ونابليون وهتلر، الذين دفعهم جنون العظمة إلى الحلم بقارة أوروبية متحدة، ونظام واحد، وأيديولوجية واحدة.

ما الذي تبقى لدينا إذن؟ لم يبق إلا التواضع الكامن في الاقتناع بأن الطبيعة البشرية لا تتغير كثيراً. وهذه الحقيقة غير السارة، تعني أن كل ما يمكننا القيام به تقريباً، هو الاستمرار في التخبط، والبقاء يقظين، وتمني الأفضل إلى جانب استعدادنا للأسوأ.

ورغم جميع مشكلات الكرامة الوطنية والديمقراطية والأسواق الحرة والتحالفات والاستعداد العسكري، فإن البدائل تبدو أسوأ بكثير.