يأتي رحيل البابا شنودة بطريرك الكنيسة المصرية، وبطريرك العرب كما استحق بالفعل أن يوصف، في هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها مصر، فيثير موجة من الحزن العميق عند شعب مصر (بمسلميه ومسيحييه)، ويزداد الشعور بالقلق في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل صوت للحكمة، في مواجهة موجة من التطرف يخشى الجميع من عواقبها.

ويأتي رحيل البابا شنودة ليؤكد مصادفة غريبة، هي التلازم بين المتغيرات الأساسية في الدولة، وبين ما يجري في الكنيسة الوطنية. مصادفات تبدو وكأنها حكم القدر في لحظات حاسمة من تاريخ مصر.

عندما قامت ثورة يوليو 1952 أعقبتها فترة من الصراعات الداخلية على الحكم، وفي نفس الوقت كانت الكنيسة المصرية تشهد فترة من القلاقل والانقسامات، وصلت إلى حد قيام جماعة من الشباب القبطي باختطاف البابا يوساب وإعادته بعد ذلك، ولكن في أجواء متردية للغاية.

وعندما استقر الأمر لجمال عبد الناصر، وخاصة بعد حرب 56، كان التغيير في قيادة الكنيسة برحيل البابا الضعيف، ومجيء آخر قادم من دنيا الرهبنة لم يكن معروفاً قبل ذلك، فإذا بالقرعة الهيكلية تختاره، وإذا بنا أمام بابا للكنيسة يتصرف بأخلاق القديسين. وسرعان ما ارتبط البابا كيرلس بعلاقة وثيقة مع عبد الناصر. كان بينهما موعد شهري في الخميس الثالث من كل شهر، وكان البابا يعرف أسرة الرئيس ويعود مرضاها، وكانوا يستبشرون بدعواته.

وفي الوقت الذي كان البابا ينشر الهدوء والمصالحة بين أبناء الكنيسة ويفتح الباب لجيل جديد من الرهبان المثقفين (جاء منهم شنودة بعد ذلك)، كان عبد الناصر برؤيته وثقافته يعرف قيمة الكنيسة المصرية، ويريد أن يعزز مكانتها لتؤدي دورها الوطني كمؤسسة تعتز بانتمائها لمصر، وبامتداد نفوذها الروحي إلى الخارج.

وعبد الناصر هو الذي طلب من البابا أن يبدأ ببناء المقر البابوي الجديد يومها، على اعتبار أن المقر القديم لا يليق بمكانة الكنيسة الوطنية. ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة، تبرعت الدولة بجزء من التكاليف. لكن اللقطة الأجمل هنا جاءت من أبناء عبد الناصر وهم في سن الطفولة، إذ حمل كل منهم "الحصالة" التي يجمع فيها مدخراته القليلة، ليفرغوها في حجر البابا كيرلس. وفي اليوم التالي كان محامي الكنيسة يحمل هذه المدخرات، ليدفع منها القسط الأخير من ثمن الأرض التي أقيم عليها المقر البابوي (160 جنيهاً)، وتبقى معه خمسة جنيهات للمصاريف الإدارية. ويتم بناء المقر ويفتتح عام 1968، بحضور عبد الناصر والإمبراطور هيلاسيلاسي إمبراطور إثيوبيا، التي يتبع المسيحيون فيها الكنيسة المصرية.

بعد رحيل عبد الناصر بستة شهور فقط رحل البابا كيرلس، وينقضي عهد بأكمله. يأتي السادات للحكم، ويأتي البابا شنودة لرأس الكنيسة. وفجأة تطل الأحداث الطائفية في عام 1972، ثم يتصاعد التوتر وسط أزمة وطنية حادة بعد كامب دافيد. وينتهي الأمر بعزل شنودة واعتقالات سبتمبر 70 للقيادات الوطنية، ثم باغتيال السادات بعد أسابيع. ويأتي حسني مبارك، ويعود البابا شنودة لموقعه.. ولكن في عام 1985! وعلى مدى ربع قرن، أدار الرجلان العلاقات بين الدولة والكنيسة، لينتهي الأمر بتنحي مبارك بعد ثورة 25 يناير، ثم برحيل البابا شنودة بعد عام، وسط مشاعر القلق التي تسود الجميع (مسلمين ومسيحيين) من غياب رجل استطاع، رغم كل شيء، أن يمنع الأحداث الطائفية من أن تمتد لما هو أخطر.

عرفت البابا شنودة شخصياً بعد عودته من العزل الإجباري، الذي فرضه عليه السادات في قرارات سبتمبر الشهيرة، وكنت أحد ضحاياها. عندما عدت للصحافة وسمح لنا بالكتابة في عام 1982، كتبت أكثر من مرة مطالباً بإنهاء قضية البابا، الذي استمر عزله بلا مبرر ثلاث سنوات أخرى. وبعد عودة البابا تلقيت منه رسالة شكر ومحبة.. ليبدأ تواصل بيننا لم ينقطع، وخاصة وهو صحفي قديم مارس المهنة قبل دخوله الرهبنة، وظل يحتفظ بعضوية نقابة الصحفيين ويعتز بها حتى نهاية حياته.

عايشت الرجل في أزمات كثيرة تعامل معها بحكمة شديدة، وكانت المشكلة الأساسية أن الدولة تعاملت مع ملف الوحدة الوطنية وقضايا الأقباط، باعتباره ملفاً أمنياً تتولاه أجهزة الأمن ووزارة الداخلية، بعد أن كان دائماً بؤرة الاهتمام السياسي للدولة، تتعامل معه من خلال شخصيات سياسية قادرة على تطويق المشاكل وحلها. وتوافق ذلك مع مناخ سمح بالتطرف والتطرف المضاد، ومع تحريض خارجي يريد استغلال اللعبة الطائفية في المنطقة كلها ضد المصالح العربية.

لكن ذلك كله لم يمنع البابا شنودة من اتخاذ موقف سوف يذكره التاريخ، رغم كل ما سببه له على المستوى الشخصي؛ من صدام مع السادات، ثم من خلافات داخل الكنيسة، ومن عداء لجهات أجنبية. إنه الموقف الخاص برفض التطبيع مع إسرائيل، ومنع أقباط مصر من زيارة القدس إلا بعد تحريرها من الاحتلال الإسرائيلي. أذكر أن العديد من المثقفين السياسيين الأقباط، عارضوا هذه الخطوة واعتبروها تدخلاً سياسياً من الكنيسة.

ولكن الرجل أصر على موقفه، الذي لم يكن سببه الوحيد فقط هو رفض التطبيع من حيث المبدأ، بل كان أيضاً حرصه على الوحدة الوطنية داخل مصر، ولهذا كان قوله: إن أقباط مصر لن يدخلوا القدس إلا مع إخوانهم المسلمين. وهنا النقطة الأساسية التي ينبغي الالتفات إليها عند الحديث عن الكنيسة المصرية. فنحن هنا أمام كنيسة "وطنية"، تعتز بمصريتها وترفض أن يجرها أحد إلى شق الصف الوطني باسم الدين، ولهذا فشلت كل المحاولات في هذا الصدد، من الحملات الصليبية وحتى اليوم.

ويبقى الاتهام الذي كان يوجه للبابا شنودة، حتى من بعض الأقباط العلمانيين، والذين كانوا يرون أن هناك هيمنة من الكنيسة على شؤون الأقباط وتدخلاً في العمل السياسي، ومحاولة لكي تكون الكنيسة هي الممثل للأقباط في كل شؤونهم.

والحقيقة أن الجزء الأكبر من هذا كله كان يعود إلى موت الشارع السياسي وحصار الأحزاب السياسية، ثم ضعف الدولة وتراجع الخدمات العامة.. وهو ما أدى لأن يعود الأقباط للكنيسة، ولأن يلجأ المسلمون إلى الجمعيات الدينية لملء هذا الفراغ.

وقد بدأ هذا الواقع يتغير بعد الثورة؛ فخرح الشباب المسلمون والمسيحيون إلى الميادين يشاركون في الأحداث. لكن الخطورة تبقى في أن يتم هذا التحرك السياسي من خلال أحزاب دينية (إسلامية أو مسيحية).. فالمفروض أن يخرج الشباب إلى فضاء سياسي حقيقي، إلى أحزاب يمينية أو يسارية أو وسطية تجمع الكل في بوتقة سياسية واحدة.

هذا هو التحدي الذي يواجه مصر في الفترة المقبلة؛ أن تؤدي المؤسسات الدينية دورها في الحدود الطبيعية لهذا الدور، وأن يعود الناس للسياسة الحقيقية وتعود السياسة لتحكم الصراعات في المجتمع، وأن تكون الخلافات بين مؤيد ومعارض، وليست بين مؤمن وكافر، وأن تكون الصراعات بين يسار ويمين، وليست بين مسيحي ومسلم يتشاركان في وطن قال عنه البابا شنودة: إنه يعيش فينا ولا نعيش فيه.