أتساءل هل نحن على أعتاب مرحلة جديدة نغيّر فيها وجه التاريخ العربي؟!، وهل نحن بصدد إعداد دستور جديد لتغيير الأنظمة القائمة جميعها؟! وهل سيواكب الخليج العربي المستقرّ سياسياً واقتصادياً واجتماعياً مسيرة التغيير التي طالت أنظمة عربية عدة؟!، إن كانت الإجابة لدى البعض نعم فما هو الهدف من ذلك؟!
وما هي سِمات هذا النظام الجديد الجاذب للشعب حتى يشترك في هذا التغيير ويُضحّي بالنعم التي يهنأ بها الآن؟! وهل يكفي قول القائل أريد أن أعيش حُرّاً لكي يُضحّي بما أنعم الله عليه؟! وهل نفقد تدريجياً معنى الحرية الحقيقية أم أننا نلهث وراء الإفراط في التحرير؟!، وهل الولوج إلى المجهول أمر سهل ويمكن دخوله دون رهبة؟! أم أنّه سيواجه صعوبات ومعوقات ومحاذير جمّة؟!
كلّ هذه التساؤلات وجبت أن تُطرح للمناقشة والمصارحة إذْ أنّ ما يحصل في العالم العربيّ من خريف بدأت بوادر موسمه تظهر للعيان بعد أن سَوّقَهُ الكثيرون باسم الربيع العربي، وهذه الخريف يتلمّسه عموم الشعب دون النظر لدور الإعلام في تمجيده وتقديسه وتهويله، فنحن نطّلع على الواقع من خلال ما يتناقله إخواننا العرب في دُوَلهم فهُم المراسلون الحقيقيون للواقع فلا نحتاج لوسيلة إعلامية تنقل لنا حقيقة الأحداث ومجرياتها بالشكل الذي تهواه وتنتهجه في عَرضِها لتحقيق أغراضها الشخصية.
الجديد في الأمر الآن وما يفرض نفسَه علينا فرضاً هو تدخّل كلّ من هبّ ودبّ في السياسة وكأنّها لعبة، فليس كلّ ما يُعرف يُقال لأنّ هذه ذمم بشر معلّقة برقبة حاكم يدير الأمور، ويرسم الخطط ويتّبع السياسات، ويعمل على حسن روابط الجوار، ويتفكّر في أمن البلاد وأمانها، ويتقلّب في مضجعه نهاراً من قلقه حول رسم خطة اقتصادية لخير بلده، والكثير مما لو حمله أي شخص آخر لتكسّرت جوانبه ولتقهقر ظهره.
نعم أيها الإخوة!، إنها السياسة التي يرى معظم الناس حقّهم في الخوض بها رغم أنها خطيرة، وخطيرة للغاية، ولا يدرك معناها أو مغزاها إلا من خاضها، ولنثِق تمام الثقة أن الحاكم عندما يقضي أمراً فهو يتفكّر مرات عديدة في عواقبه، ويستعين بمستشارين وأصحاب فكر ورُؤى، وعلماء دين ودنيا، واختصاصيين في شتى المجالات.
ولا يُصدر أمره عنوة أو ارتجالاً، ولا يعني ذلك أنّنا نُنزِّه الحاكم عن الخطأ فهو في الأول والآخر إنسان وبَشَر، ولا نعني كذلك أن من استشاره الحاكم قد أحسن في نصحه، فهم أيضاً بشر يخطئون ويصيبون، والحاكم مثل أيّ منّا إن اجتهد فأخطأ فله أجر، وإن اجتهد وأصاب فله أجران.
فلنتفق ونرتضِ هذه القاعدة، إذاً هل يُمكننا تطبيق هذا المبدأ على كافّة البشر أم أن هناك أناساً معصومين عن الخطأ والزلل، وقولهم ما يكون عن هوى ــ أستغفر الله من هذا الزعم ــ، فلم نجد من قبل أحداً ممّن يدعى العلم أو ممن اغتر بعلمه يعود عن رأيه إن كان خاطئاً، بل تجده بلسان نفسه يستدِلّ على الحُكّام بفعل عمر بن الخطاب ــ رضى الله عنه ــ عندما وضع حداً للمهور فاعترضت عليه امرأة بالدليل الشرعي من القرآن الكريم فقال عمر ــ رضي الله عنه ــ: أخطأ عمر وأصابت امرأة.
فمثل هذا يزعم بوجوب رجوع الحاكم عن رأيه إن كان معارضاً لأهوائه التي يرى أنها حقّ دون تقدير للسياسة الشرعية، في حين أنه لو أصدر هو أو غيره ممن على شاكلته أي فتوى فلا يتراجع عنها إلا بمقابل يتوافق مع أهوائه ومصالحه، وأتساءل هنا ويحق لي التساؤل: أكان عمر حاكماً فقط أم حاكماً وعالماً؟، فهل يجهل مثل هؤلاء المدعين للعلم دور عمر وعلمه وقدموا مقامه بالحكم على مكانته العلمية؟
وأجيب بلسان حالهم على ذلك: بأن عمر عندهم أحكم في حكمه من الحكام ونحن نشهد بذلك، ويرى بعضهم نفسه أعلم من عمر رضى الله عنه وأرضاه في علمه، لأنه لا يفتي دون علم أما سيدنا عمر فقد أقر بخطئه باجتهاد في مسألة المهور، وإن كان هذا مالا يظهره المدّعون للعيان بل يراود سرهم.
فلو كان رأي عمر في هذا الموقف مع المرأة من باب السياسة التشريعية والتي اشتهر بها رضى الله عنه لأمضى المسألة وفق رأيه حرصاً على الصالح العام، إلا أنه قد رجع عن رأيه وصوَّب رأي المرأة من باب الاجتهاد في الفقه، فهذه الحكاية هي حجة على العلماء وليست لهم، ودليل على وجوب رجوعهم عن الأفكار المتجمدة في عقولهم ومفاهيمهم.
وإنني لست ضد العلماء الحقيقيين فهؤلاء أصحاب قدر ومكانة لا تقدر بقيمة أو ثمن، وأنا موقن من خلال علاقتي بجمعٍ ليس بالقليل منهم أن العالِم الحق ليس من يتغنى في كل مسألة ومشكلة بل ربما يعصم لسانه عن فتن قائمة كما عصم الله سيفه منها، فلا يتصدى لمسألة بغرض إثارة الرأي العام وكسب الجماهيرية العظمى من الناس وهو يقبع في الفلل والقصور ويركب السيارات الفارهة، ولا يرضى بل يخشى على عائلته أن تقع ضحية لهذه الفتن ويمنع أقاربه من المشاركة فيها.
إنّنا نرى بأمّ عيوننا فتنةً وفساداً، وسيكون ولا شك ولكن ندعو الله أن لا يكون على عهدنا أو في أيامنا ولا من أولادنا أو من ذريتنا من المسلمين، وإن كنا نراه قد تحقق بالفعل في عدة دول الآن، ولكن ما نتمناه من الله عز وجل أن يحفظ بلاد المسلمين وأمنها ويُقِرّ أمّتنا بدوام الأمن والأمان.
وفي الشأن ذاته وجب علينا أيضا طرح بعض التساؤلات المجارية للأحداث العربية القائمة، فهل ما تعانيه تونس اليوم من مشاكل عدم استقرار اقتصادي وسياسي واجتماعي أمر طبيعي ومقبول؟ أم هي كما يقال ضريبة التغيير؟
وأين من طالب وأيّد من العلماء بهذا التغيير عن الإصلاح بين الناس فيما يتقاتلون من أجله وبسببه اليوم؟، أم أنه بعد أن سادت الفتن وازدادت المحن ابتعد عن الساحة؟ وأنه كان ماهراً في ظهوره للتحريض فقط ليؤيد الأغلبية رأيه ويكسب شعبية من خلالهم؟،
ثم ما لبث أن غاب عن ساحتها ليجد نفسه في ساحة أخرى كمصر التي ترفل اليوم في فرح الفوضى والغوغاء والرعب من البلطجية، فلماذا لا يظهر هذا الداعية على الساحة وينادي هؤلاء البلطجية بمراعاة حق الله في الناس؟ أم اعتبرهم أقل مستوىً من مستواه فهو لا يجابه سوى الأنظمة والحكام؟ وأين هو من شبه الانقسام الذي يهدد ليبيا اليوم أم كان فالحاً عندما ظهر ليحرض على النظام الليبي؟!!
فيا أيها الناس أفيقوا من سبات بات يغشى أعينكم وأنتم سائرون أو ناطقون، وارعوا الله في ذممكم قبل ذمم الناس وما تحكمون. وللحديث بقية في مقال قادم.