عاجزة تجثو قواميس اللغة بين يدي مفردة واحدة لتتحفها جزاء الإحسان تبجيلاً وثناءً، وتقطر على أحرفها شذى العرفان تكريماً وسناءً، وتقدم على قدميها تواضع الشكر والمحبة أنواراً وضياءً.. عاجزة هي بلا شك حين تبحث بين طياتها عن أعمق أعماق فلسفة العطاء، وأعذب مناهل الجود، وأقدس درجات الحب الإنساني.. حين تكون تلك المفردة كل المفردات، وأم المفردات.. حين تكون هي الأم.

سرّ عجيب غريب ذاك الذي يسري عطر ولائه بين المرء وأمه، ربما تفسر بعضه سنوات الطفولة الباكرة حين كانت الأم هي الدنيا وما فيها، وهي الحياة وأملها، وهي الوجود ومنبع رفده الوحيد.. وربما تقترب من ترجمتها وقفات الليالي والأيام، حين يشب الإنسان عن الطوق ويحسب أنه آذن على الدنيا بإثبات وجوده، فيكتشف ضعفه أمام سطوة الحياة، ويجد هناك من لم تزل واقفة بقلبها العامر تنتظر رفده بما يعزز بقاءه ويقوي ثباته..

وربما تحاول الذاكرة استرجاع الملايين من نظرات الأم الحانية، حين تجف مآقي الدنيا عن منح المرء أدنى درجات الوفاء، فيجد النبع الصافي الذي لا ينضب.. ربما هذا وذاك وغيره.. إلا أن الأم تظل هي الأم، لا تدانيها لفظة، ولا تكافئها وقفة، ولا تترجم حبها الكلمات..

هي؛ هي؛ لا سواها من يعطي بقلبه ما لا تعلمه يمينه ولا شماله، ولا سواها من لا تعرف لغة حياتها إلا الحب لأبنائها، مهما اعتراهم من غبار الأيام وجفاف الجفاء، ولا سواها من لا يرى المستقبل إلا من خلال أعين من رآها أول ما رأى، واحتضنها أول ما احتضن، وضمها أول ما ضم .. هي الأم.

في كل عام تدور دورة الحياة لتقف عند زهرة المواقيت الإنسانية؛ يوم الأم، تتدافع الذكريات سريعة متزاحمة تنكب على المخيلة وتقرع جرس الوفاء لتلك السيدة الأولى، على ما اعتاد العرف لتكون الأم بطلة المشهد العالمي بامتياز، تصاغ لها الكلمات والمقالات والأشعار والتهنئات والهدايا، في جرعة وفاء كوني لرمز العطاء الإنساني، في محاولة بسيطة فطرية لرد شيء من عبير الإحسان الجميل لسيدة الإحسان الجميل. ورغم قناعتنا المطلقة بأن يوماً واحداً لا يكفي لهذه القامة الإنسانية الباسقة، بل لها الزمان كله بطوله وعرضه وفاء وعطاء..

ورغم تخوفنا من أن يتحول هذا اليوم في أحد مضاعفاته، إلى حجاب زمني أمام واجب لا بد أن يكون يومياً من الصلة بين الأبناء والأم، إلا أننا لا نستطيع أن ننكر أننا في غالبنا نجد أنفسنا منساقين أمام بر الأمهات وانتظارهن الكلمة والهدية والزيارة في هذا اليوم، ولا تستطيع في أغلب الحالات تفسيرات أكبر العقلاء إقناع قلوبهن بأن يتجاهلن الذكرى في هذا اليوم، وربما ساهم في ذلك الجو الإعلامي والاجتماعي الطافح بالمناسبة وبما يحرك العواطف فيها.

ومع ذلك لا أرى في المسألة قفزاً على معاني البر، إذا كان هذا اليوم نافذة لزيادة عبير الصلة والتكريم للأم، من دون أن يكون علامة لا ترى إلا في السنة مرة، فها هنا الكارثة الإنسانية الوخيمة والفصام القاسي في أقدس عرى العلاقات البشرية.

ومما نحمد الله تعالى عليه في مجتمعنا، أن بر الوالدين ورعاية الأم على وجه الخصوص، لا تزال قيمة أصيلة راسخة تغذيها على الدوام العقائد الإيمانية، والعادات الأصيلة والهوية المتينة التي نفخر بها، ولا تزال في الأعم المجمل تحتل الأم في مجتمعاتنا أرقى مراتب الطاعة، لكننا مع ذلك نجد أنفسنا على الدوام مطالبين بإعادة تحريك شجرة عطر الوفاء لتشتم الأجيال الناشئة عبيرها، بعد أن أزكمت أنوف البعض منهم كثرة روائح العقوق الخارجية من ثقافات غير ثقافتنا وبيئات غير بيئتنا، تحت أوهام الاستقلالية والشباب والمراهقة الجياشة، وكلها رسائل هدامة تضرب أساس العلاقة الأسرية، لتترك الجيل بعد ذلك نهباً لنوازع الضياع.

ثقافات يحملها بعض ما يسمى بالنتاج الفني الجديد، والنزعة التحررية من كل القيود، عبر شباب يتطاولون على آبائهم، ويتم مع ذلك تلميعهم وتقبل أدوارهم من قبل المشاهد، وفتيات يُسئن الأدب مع أمهاتهن، وتجبرنا المسلسلات على التعاطف معهن أمام "الأب القاسي ذي الفكر الرجعي" و"الأم المتخلفة"! لنجد بعد ذلك من أبناء هذا الجيل من يحاكي هذه النماذج، بحثاً عن التميز والحضور المجتمعي، ولا يتقن من أساسيات بناء الكيان المستقل إلا التطاول على أبويه!!

نعلم أن هذه النماذج قليلة جداً، والنماذج المشرفة الأصيلة أكثر من أن تحصى، إلا أننا لا نملك إلا أن نهمس في أذن الشباب بأن دورة الحياة قصيرة وسريعة المراجعة لديونها.. نعم هي سريعة في تبادل الأدوار، ويحصد المرء ما قد زرع، فعقوق الوالدين كما علّمنا ديننا وتجارب الحياة، عقابه حق على العاق في الدنيا قبل الآخرة. فلنتقِ الله في والدينا وفي أنفسنا وفي أبنائنا وأبنائهم، لأنها حلقات أجيالٍ متصلة، إما بالعقوق أو بالبر! فالجحود يولد جحوداً، والبر يُثمر براً، والأيام دول..

فتحية ملؤها اعتراف بالفضل للنبع الذي لا ينضب عطاؤه، وتحية عرفان وامتنان وفخر وإجلال أخص بها والدتي تحديداً في كل يوم.