ابتكار الأفكار فن لا يجيده إلا القليل من الناس، أولئك الذين يتمثل جل رأس مالهم في ما يفيض الله سبحانه وتعالى عليهم به وما تجود به قريحتهم من أفكار.

ولا شك أن صياغة الفكرة الإعلانية والحبكة في تقديمها، فن يعتمد على قول ما تريده في وقت قصير، وباختصار يؤدي إلى تحقيق الهدف، ويتوافق - في الوقت نفسه - مع ذوق المجتمع وطبيعة الظروف التي تحيط به والمزاج العام.

والحق أن الكثير من هذه الأفكار يكون مقبولا وجيدا، والبعض منها يصعب نسيانه من روعتها؛ فكم من رسالة إعلانية سمعناها في أوقات مبكرة من حياتنا ظلت معنا حتى الآن، وربما يرجع ذلك إلى تميز كلماتها أو جمال موسيقاها، أو لطرافة الموقف الإعلاني نفسه، وهنا تكمن أهمية وخطورة الرسالة الإعلانية - بصفة عامة - التي لا تقِلُّ في تأثيرها عن باقي الأشكال البرامجية الأخرى، فضلا عن الجاذبية التي تلقاها من مختلف المراحل السنية.

ولا شك أن هناك إعلانات تكون سببا في الترويج لما يتم الإعلان عنه، سواء كانت سلعة أو فكرة، كما أن هناك إعلانات تكون وبالا على ما تدعو إليه، وربما تأتي بنتائج عكسية عندما تخالف الذوق العام، أو تكون خارج السياق الاجتماعي، أو لا تدرس نفسية جمهور المتلقين و تستقرئ المزاج العام، وسبل التأثير عليهم، ودفعهم إلى تبني ما تدعو إليه دون أن تصطدم بهم.

أقول هذا بعدما أصبت بدهشة جعلتني أتوقف طويلا، حين سمعت كلمات غريبة في المعنى والهدف عبر إذاعة محلية في الصباح الباكر، حيث يكون الفرد في أعلى درجات لياقته الذهنية والبدنية، تقول "تعال.. حيث الاسترخاء أسلوب حياة". فانتظرت قليلا لأستقصي الخبر، وإذا بها تأتي في سياق إعلان يروج للسفر والرحلات. وما استوقفني في هذا الإعلان، هو فكرته في حد ذاتها التي جاءت في غير موضعها مكانا وزمانا.

وأتساءل؛ كيف يمكن أن يكون الاسترخاء أسلوب حياة؟ من الجائز أن يكون الاسترخاء لفترة محدودة من الزمان، لاستعادة النشاط وتجديد الطاقة وترويح النفس. فالنفس تمل، والبدن يصيبه الإعياء ويحتاج بين الحين والآخر إلى بعض من الراحة والدعة، لكي يستعيد ما يعينه على استكمال رحلة العمل والعطاء ومشواره بدأب وصبر، لكن أن يكون الاسترخاء أسلوب حياة، فتلك دعوة مريبة تستحق الوقوف في وجه من ينادي بها، والمناداة بعدم تبنيها على مستوى الفرد؛ لأنها تحض على الكسل والتراخي، وتقلل من قيمة البذل والعمل، أما على مستوى الوطن فإنها تأتي في الاتجاه المعاكس للسياسة والحالة العامة لوطننا المعطاء.

ثم ما معنى أن يكون الاسترخاء أسلوب حياة؟ وكيف نحث عبر إذاعتنا على دعوة كتلك، حتى وإن جاءت في إطار رسالة إعلانية في مجتمع تنادي قيادته والمخلصون من أبنائه - ليل نهار- ببذل الجهد، حين اختارت التميز طريقا ونهضة الوطن غاية؟

ثم من هو العبقري الذي أطلق هذه الدعوة لنناقشه في مدى صلاحيتها وعواقبها، وما هي البدائل التي يمكن استخدامها؟ ولم لا نقول: "تعال حيث استعادة النشاط وتجديد الحياة"، "تعال لتعرف فوائد السفر بحق"، "تعال لتعرف كيف تحيا وكيف تنجح"؟

ثم إنني لم أستمع إلى دعوة كتلك بين الدول التي حققت قفزات هائلة على سلم التقدم الإنساني، فكيف بنا، ونحن على طريق النهضة، ندعو إلى الاسترخاء! تذكرت كيف أن اليابانيين بعد أن أصابهم الزلزال المدمر منذ العام الماضي، قاموا ينادون بزيادة ساعات العمل اليومي دون مقابل، ليعوضوا ما فاتهم ويبنوا ما تهدم بفعل الحوادث الطبيعية، دون تراخ منهم.

أعلم أن البعض يستهويه النموذج الغربي في الترفيه وقضاء العطلات، ولكنني أود ألا ننظر إلى الجانب الترفيهي في حياتهم وحسب، وألا نقصر رؤيتنا لهم على نهاية الأسبوع، ونغض الطرف عنهم بقية أيامهم التي يعملون فيها كما الآلة التي لا تكل ولا تمل، يجب ألا ننظر إلى الصورة التي نريدها فقط ونغفل عن الباقي.

والخطأ الذي تقع فيه وسائل الإعلام أحيانا، أنها تقول الرسالة دون أن تدرك خطورتها؛ لأنها تسير كثيرا في ذات الطريق عبر ممارسات متعددة؛ ففي الإعلان تأتي الدعوة إلى جعل الاسترخاء أسلوب حياة، وفي القنوات الفضائية يكون الترفيه هدفا أسمى، وفي البرامج يصبح التقليد نظاما ثابتا، وفي الأخبار تبث المصطلحات كما ترد من الوكالة إلى الجمهور، دون عناء التدقيق أو التعديل.. الاسترخاء أسلوب حياة، هو الشعار الذي يكرسه نفر من بيننا للترويج لنشاطه التجاري، مهما كانت خطورة المضمون المقدم.

وأود ألا يعتقد البعض أنني قد نفخت في موضوع صغير من مادة إذاعية لا تتجاوز مدتها ثوان معدودة تبث وتمر، والحق أن الأمر أكبر من ذلك؛ لأن من ينظر إلى عدد مرات إذاعة هذا المضمون على مدار اليوم والليلة، وفئات المستمعين له ومراحلهم العمرية، يدرك أهمية التوقف والنظر، ليس في هذا المحتوى الإعلاني وحسب، ولكن لإطلاق دعوة عامة وشاملة، مفادها أن وسائل إعلامنا بكافة أشكالها المكتوبة والمسموعة والمرئية، يجب أن تتفحص بدقة ماذا يقال، وكيف يقال.. لنجعلها مراجعة شاملة نحدد من خلالها الأهداف، ونتأمل النتائج المتوقعة مما نقدّمه عبر شاشتنا وبأقلامنا، ماذا نريد أن نرسخ لدى أبنائنا وبناتنا؟ وما السبيل إلى ذلك؟ وكيف يكون الخطاب الإعلامي واعيا ودقيقا؟

من هنا يجب وضع محددات تؤسس لمضمون إعلاني يبني ولا يهدم، يروج لسلع، ويدعو لقيمة، إعلان يحرص على مصلحة الممول، في الوقت الذي لا يتجاور فيه على حق المستمع، يحرص على مخاطبة العقل دون الاكتفاء باللعب بالعواطف، إعلان يساعد في بناء اقتصاد الوطن كافة، دون الاقتصار على مصلحة أفراد بعينهم، إعلان يدعو إلى العمل والبناء، لا إلى الراحة والاسترخاء، فضلا عن اتخاذهما أسلوب حياة.