"لم ينجح أحد" من العبارات التي كان يتندر بها أهل الإمارات في السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، عندما كانت محطات الإذاعة والتلفزيون تبث نتائج الثانوية العامة فور إعلانها، وكانت أنفاس مذيعي تلك الفترة تنقطع وهم يقرؤون أسماء الناجحين وطلبة الدور الثاني، حتى إذا مرت عليهم مدرسة وكانت نتيجة طلبتها "لم ينجح أحد"، شكر المذيعون المدرسة والطلبة من أعماقهم.

مضت تلك الفترة بطلبتها ومدارسها ومذيعيها، ولم نعد نسمع تلك العبارة، ثم جاء قرار إلغاء الرسوب لطلبة الحلقة الأولى (من الصف 1 5)، الذي اتخذته وزارة التربية والتعليم مطلع العام الدراسي الماضي (2010 2011)، مستعيضة عن الرسوب ببرامج علاجية، معتبرة إياه أحد أهم القرارات التي تعالج فئة الطلبة ضعاف المستوى بأساليب علمية، وفقاً لما ورد على لسان رئيس قسم الامتحانات في الوزارة، الذي قال: إن القرار جاء بعد دراسة متأنية لواقع الميدان التربوي، وما أفرزته من نتائج عكست مستوىً متدنياً للطلبة في معظم المواد، وبشكل خاص المواد الأساسية (البيان 22 يونيو 2011).

المستوى المتدني الذي أفرزته الدراسة التي أشار إليها رئيس قسم الامتحانات في وزارة التربية والتعليم، أكده "تقرير المعرفة العربي 2010 - 2011" الذي أطلقته الأسبوع الماضي مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم وشريكها الاستراتيجي مكتب الأمم المتحدة الإنمائي. فقد جاء في التقرير أن من التحديات التي تواجه نظام التعليم في دولة الإمارات، ضعف المخرجات التعليمية، وتخريج تلاميذ غير مؤهلين للالتحاق بمؤسسات التعليم العالي، دون الخضوع لسنة تحضيرية. ووضع التقرير فرضيات لأسباب هذا التدني، منها: ضعف قدرة المعلمين والمدارس على إثارة دافعية المتعلمين، وعدم الاهتمام بغرس مهارة التفكير في المستقبل، وضعف مهارة تحقيق الذات، سواء كان ذلك في الأسرة أو المدرسة، أو على مستوى المؤسسات الأخرى الاجتماعية والإعلامية (ص 287).

إثارة دافعية المتعلمين، والاهتمام بغرس مهارة التفكير في المستقبل، وتقوية مهارة تحقيق الذات، في رأينا، أمور لا يعالجها قرار إلغاء الرسوب لطلبة الحلقة الأولى، التي تمثل الأساس الذي يقوم عليه بناء الطالب وإعداده للحلقتين الثانية والثالثة، بل والحياة كلها، ومن ثم رفع مستوى المخرجات التعليمية، وتخريج تلاميذ مؤهلين للالتحاق بمؤسسات التعليم العالي دون الخضوع لسنة تحضيرية. فرغم حماس مسؤولي الوزارة للقرار، فإن الآراء التي ذكرها العاملون في الميدان التعليمي، بعد سنة من التطبيق.

جاءت غير مشجعة، فقد أبدى مدير إحدى المدارس تخوفه من القرار الذي توقع أن يأتي بآثار سلبية بعد قرابة أربع سنوات، عندما تفرز المدارس للمرحلة الإعدادية طلبة غير قادرين على الكتابة أو القراءة بلغتهم الأم، بينما ذكر مدير مدرسة ثانٍ أن القرار الوزاري ألقى بظلاله سريعا، عندما ارتفعت نسب غياب طلبة الحلقة الأولى في نهاية شهر مايو من العام الماضي إلى 50%، كنتيجة طبيعية لعدم وجود اختبارات لنهاية العام، واتكاء ولي الأمر على أنه لا داعي لحضور الطالب من دون تقديمه للامتحانات، بينما رأى مدير ثالث أن هذا النظام يمنح الطالب الفرصة للانتقال إلى الصف الأعلى من دون أن يضيع سنة من عمره، لكنه يضع واجباً على المدرسين والمدرسات وإدارات المدارس، بتوفير كافة الفرص التأهيلية للطالب كي يحقق النجاح.

وحتى لا نكرر تجربة الخبراء الأجانب، الذين تعتمد الوزارة على توظيفهم كي يشاركوا في وضع السياسات التعليمية ويشرفوا على تنفيذها، وبعد سنوات من العمل تكون نتائج تقييم أداء المدارس دون المستوى في معظم الأحيان، كما جاء في تقرير المعرفة العربي، فإننا نتمنى على وزارة التربية والتعليم، ونحن نعلم مدى حرصها على الدفع بالعملية التعليمية إلى الأمام، أن تقوم مع نهاية العام الدراسي الحالي، بعمل استبيان لمعرفة نتائج التجربة بعد عامين دراسيين من تطبيقها. فالأصوات التي تخرج من داخل الوسط التعليمي.

وأعني بها أصوات معلمات طلبة الحلقة الأولى، تقول: إن سلبيات التجربة أكثر من إيجابياتها، وترى في القرار ظلماً للطلبة المجدِّين والمتميزين، لأنه يساوي بينهم وبين الطلبة الأقل مستوىً في المحصلة النهائية، وهي الانتقال التلقائي من صف إلى صف، والأمر نفسه ينطبق على أولياء الأمور الذين لم يعودوا يهتمون بمتابعة أبنائهم، أو حتى حثهم على التحصيل، بعد أن ضمنوا نجاحهم خمس سنوات متوالية.

والأهم من هذا كله، أن القرار غدا له مردود سلبي على معلمات المرحلة الأولى، اللواتي أصبحن يواجهن واقعا يفرض عليهن ترفيع جميع الطلبة، فالمعلمة التي قضت عاماً دراسياً كاملاً في تدريس طالب لا يرى أمامه حافزاً للجد والاجتهاد والتحصيل، بعد أن ضمن النجاح، تعتقد أن أسبوعين من برنامج إعادة تدريس المواد، الذي يعالج به القرار ضعف الطالب، لا تكفي لوضعه على المسار الصحيح كي يتساوى مع زملائه المجتهدين الذين استحقوا الانتقال عن جدارة، لذلك تجد نفسها مضطرة إلى ترفيعه، كي لا ترتب على نفسها وعلى الطالب جهدا إضافيا لن يؤثر في بقائه في صفه أو انتقاله إلى الصف الذي يليه، فتأتي النتائج غير مطابقة للواقع، وكفى الله المؤمنين شر القتال.

ثمة إشكالية أخرى يثيرها هذا القرار الذي يطبق على المدارس الحكومية دون الخاصة، ونحن نعرف حجم مساهمة المدارس الخاصة في العملية التعليمية، كما نعرف أعداد الطلبة الذين تضمهم هذه المدارس، ونشاهد الجهد الذي يبذله طلبة المرحلة الأولى فيها، والامتحانات المكثفة التي يخضعون لها، والدروس الخصوصية التي ترهق جيوب أولياء أمور الطلبة الدارسين فيها فوق ما ترهقهم رسومها ومصاريفها، الأمر الذي يطرح سؤالا عن وجود سياسة تعليمية موحدة في الدولة، يمكن على أساسها قياس مدخلات التعليم ومخرجاته، ومدى تأهيله الطلبة للالتحاق بمؤسسات التعليم العالي.

يقول "تقرير المعرفة العربي للعام 2010 2011" عن الحالة الإماراتية التي تم اختيارها نموذجا يمثل منطقة الخليج العربي: "إن التغيير الدائم في السياسات التربوية، يمثل واحدا من التحديات التي تواجه نظام التعليم في الإمارات، فالمتتبع للشأن التربوي يدرك أن سياسة التعليم تتغير مع تغير وزير التعليم، بمعنى أنه ليست هناك استدامة لسياسات التعليم، حتى أصبح التعليم حقلاً للتجارب، مع الاعتماد على استيراد سياسات تعليمية من الخارج، ينجح تطبيقها في بعض الأحيان، ويفشل في أحيان كثيرة".

هنا نتوقف عن التعليق تاركين الحديث للخبراء الذين أعدوا التقرير، لمن أراد أن يستكمل الموضوع، كي لا تكون النتيجة "لم ينجح أحد" مرة أخرى.