تحدثني نفسي على نحو غريب، بأنه على الرغم مما يطلق عليه الثورة في مصر، من خلع لعائلة مبارك وبعض الأشخاص الفاسدين الذي كانوا يسيطرون على البلاد، فإنني أشعر بأن البلاد ستمر بفترة عصيبة قبل تحقيق دولة تنعم بالاستقرار وبالخلو من الفساد.
كنا نعيش في ذاك الوقت في شقة واسعة في حي الدقي في القاهرة، ذات شرفة واسعة تبعث على السرور، وتطل على نهر النيل وصولاً إلى مجمع من المباني اللطيفة التي تحوي مباني عدة مشيدة حديثاً، تضم المسرح الأكثر فخامة في القاهرة، إلى جانب مقار بعض النشاطات الثقافية في العاصمة المصرية ومبنى الحزب الوطني الديمقراطي، وهو مبنى حزب مبارك، الذي أحرق خلال الأيام الأولى من الثورة.
كانت البناية تقع على بعد دقائق معدودة سيراً على الأقدام، من الطريق العام الرئيسي الذي يجري في موازاة النهر، وكانت الشقة في جوانب شتى تعد الشقة المثالية، لكن كما قلت سابقاً، فإن نفسي حدثتني بأن الثورة التي كنا نشهد أحداثها من شرفتنا، لن تنتهي سريعاً، كما أنها لن تصل إلى نوعية النتيجة التي نتمنى أن تصل إليها، لذا اتخذنا قرارنا بعرض الشقة للبيع.
وإذا كان لدي إحساس وحيد بالندم على مغادرة مصر، فقد كان متمثلاً في الحقيقة القائلة: إننا نملك أيضاً منزلاً ريفياً رائعاً على بعد ساعتين فقط من العاصمة المصرية، مناظره رائعة، ويشرف على بحيرة "قارون" والتلال الجرداء وراءها، وكان هذا المنزل مكاناً نتوجه إليه عند الشعور بالحاجة إلى الهدوء والسلام التامين.
وفوجئت بالسهولة النسبية التي تمكنا بها من بيع الشقة في حي الدقي، بسعر يقارب السعر الذي اشتريناها به (وما حصل من أن الشيك المدفوع إلينا كان مرسلاً من مصرف إلى آخر عبر البريد العادي، وضاع بطريقة ما في البريد المركزي المصري، والتردد الطبيعي لشاري الشقة في كتابة شيك آخر، جعل الصفقة بأسرها مسألة مثيرة للقلق الشديد، رغم أن المشكلة حلت في النهاية من خلال تهديد المصرف الذي أصدر الشيك برفع دعوى قضائية ضده).
وبعد أن أصبحنا وجهاً لوجه مجدداً أمام مشكلة المكان الذي سيشكل بيتنا الثاني، قررنا أخيراً الرحيل إلى المغرب، وبالتحديد مدينة مراكش، حيث كنا قد أقمنا سابقاً، وهذا القرار تم اتخاذه بشكل أساسي لأن لدينا صديقين هناك، وطبعاً لأننا نعرف طريقنا في أرجاء ذاك المكان.
وعندما جئنا إلى مراكش للمرة الأولى، منذ سنوات، لم تكن هناك أشياء من قبيل وكالات يمكن من خلالها شراء منزل أو شقة، أما اليوم فإن المدينة تعج بهذه المكاتب التي يدير معظمها فرنسيون، لكن خبرتنا معها لم تكن مشجعة. ولقد شاهدنا عبر أحد هذه المكاتب عدة شقق فخمة في حي هيفرناج للأغنياء، لكن جميعها كان غالي الثمن والأجواء المحيطة بالشقق لا توحي بأنها جزء من المدينة.
ثم في إحدى الأمسيات اقترحت زوجتي باولا كروشياني، محاولة البحث عما إذا كان أحد المطاعم التي كنا نرتادها في ما مضى ما زال قائماً، وعلى هذا الأساس، سرنا عبر جادة "يوغسلافيا"، ووصلنا في النهاية إلى مطعم "روتيسري دو لا بيه"، وهو مطعم بحديقة كنا أحياناً نرتاده، على الرغم من أن الطعام لم يكن يرتقي إلى أجواء الحديقة الغناء. وتذكرنا أن المطعم الذي كان في ذهننا، يبعد أكثر بقليل على امتداد الشارع نفسه من الجهة المقابلة، وكان المكان مملوكاً جزئياً لرجل من مراكش بالشراكة مع شخصين فيتناميين. لكن حيث كان موقع المطعم وجدنا بناء عالياً مشيداً حديثاً، وعند التفحص اكتشفنا أن الطابق الأرضي للمبنى ما زال يحوي مطعماً.
دخلنا، وتم استقبالنا من قبل أحد الفيتناميين، وعند السؤال عن المبنى الجديد الذي أصبح المطعم جزءاً منه الآن، قيل لنا: إن أصحاب المطعم اشتروا قطعة الأرض التي يقع فيها المطعم، وأقاموا هذا المبنى الضخم، وإن أحد الأسباب وراء ذلك كان من أجل التمكن من امتلاك شقة لإيواء أهاليهم، ثم قيل لنا: إنه ما زالت في المبنى شقتان للبيع.
وبعد أن تناولنا وجبة الطعام تم اصطحابنا لرؤية المبنى، وفي التو قدمنا عرضاً لشراء الشقة الأكبر من بين هاتين الشقتين. وعلى الرغم من أن الشقة لها شرفة واحدة صغيرة، إلا أن لها ميزة وجود نوافذ كبيرة تصل إليها أشعة الشمس، ولقد فوجئنا بمدى الدفء في الشقة حتى في منتصف فصل الشتاء.
وكانت الشقة بحاجة إلى الكثير من التصليحات، من قبيل استحداث خزائن إضافية، لذا قررنا استئجار الشقة الأصغر، والإقامة فيها إلى حين الانتهاء من التغييرات الضرورية. ولقد أمضينا بعض الوقت في مكاننا المفضل المطل على المحيط الأطلسي في "الصويرة". وكنا محظوظين لتمكننا من حزم كل أمتعتنا من شقة القاهرة ونقلها إلى مراكش، ولم نواجه أيضاً صعوبات مع السلطات لناحية تسلمها كلها في شقتنا الجديدة في المغرب.
وها نحن الآن في شقتنا الجديدة، والمكان الذي يحظى بميزة إضافية تتمثل بوجود مطعم لا يحتاج إلى أكثر من النزول بالمصعد للوصول إليه، وهذا كله مناسب جداً لشخص يتقدم في السن، ولا يشعر أحياناً برغبة في القيام برحلة إلى أحد مطاعم المدينة الكثيرة.