أتم السجين الأول، قبل أسابيع، سنواته العشر في معتقل غوانتانامو دون محاكمة أو حتى احتمال محاكمة قريبة، ولم تهتز شعرة في مفرق العدالة الأميركية.

استأجرت الولايات المتحدة جزءاً من خليج غوانتانامو من الحكومة الكوبية في مطلع القرن الماضي، أي قبل أكثر من قرن، بأجر سنوي قدره اربعة الاف دولار أميركي، ولمدة غير محددة، أي بصريح العبارة وحيز الواقع إلى أبد الآبدين، وفشلت محاولات الحكومات الكوبية المتعاقبة في تعديل هذا العقد، وتحديد مدته، وعمدت هذه الحكومات إلى عدم استلام الأجر السنوي تمهيداً لإلغاء الاتفاق فلم ينفعها ذلك.

وأصبح خليج غوانتانامو عملياً أرضاً كوبية مستعمرة من قبل الولايات المتحدة، لا يحق لكوبا المطالبة بها أو العمل على تحريرها، لأنها رسمياً (مستأجرة)، وصار وضعها القانوني في النهاية على أنها أراض كوبية لا سيادة لكوبا عليها، وسيادة أميركية على أراض غير أميركية، وقد تجاوزت مدة التواجد الأميركي في هذا الخليج حتى الآن المائة عام، دون أن تلوي الحكومات الكوبية بما فيها حكومة الرئيس فيديل كاسترو على عمل أي شيء، أو تستطيع إعادتها إلى السيادة الكوبية.

يقع خليج غوانتانامو في جنوب شرق جزيرة كوبا، ويجعله مناخه المداري صالحاً للسياحة، وقد أثر هذا المناخ على طباع سكانه فهم أكثر مرحاً من بقية رجال كوبا، ونساؤه أكثر رقة وجمالاً من مواطناتهن الكوبيات، ولعل من أشهر الأغاني الكوبية تلك الأغنية الجميلة المسماة (غوانتاناميرا) أي الفتاة الغوانتانامية التي اشتهرت في كل أنحاء العالم، فموسيقاها الجميلة تمتّع من لا يعرف اللغة الإسبانية، وكلماتها الرقيقة تمتع من يتكلم بهذه اللغة.

لقد شوه الأميركيون هذه المنطقة التي حباها الله الجمال، فهم من جهة نزعوا هويتها منها، فلم تعد كوبية كما أنها ليست أميركية، وأعطوا لأنفسهم الحق بأن يطبقوا فيها القوانين التي يريدون، متجاهلين الشرعية الدولية، وهم من جهة ثانية حولوها إلى قاعدة عسكرية لا تحترم لا جمال الطبيعة ولاضرورة الحفاظ على البيئة النظيفة، ولا حاجات الاستخدامات المدنية الأخرى، أما ثالثة الأثافي فقد افتتحت الإدارة الأميركية فيها معتقلاً أودعت فيه المتهمين بمقاومة غزوها لأفغانستان، والمتهمين بالإرهاب من منظمات القاعدة، حيث لا يطبق على هذا المعتقل أي قانون لا أميركي ولا كوبي ولا دولي، وبموجب ذلك يمكن للسلطات الأميركية أن تودع المعتقل أي شخص بتهمة أو بدون تهمة، ودون محاكمة، عشرات السنين إن شاءت، فسلطات المعتقل وإجراءاتها لا يطالها قانون، ورغبة الإدارة أو رغبة القيمين على المعتقل هي القانون مهما كانت جائرة ومتعسفة وقمعية ولا إنسانية.

مضى الآن عشر سنوات على تأسيس معتقل غوانتانامو، ووصل عدد المعتقلين فيه في بعض الأوقات إلى ما يقارب الألف معتقل، بقي منهم الآن أقل من مئتين ضمنهم (46) معتقلاً يمكن أن يمضوا حياتهم كلها في هذا المعتقل دون محاكمة، وينتظر جميع المعنيين من الإدارة والمعتقلين وسلطات بلدانهم وذويهم حائرين دون أن يعرفوا ماذا ينتظرون؟ وحتى الرئيس الأميركي الذي وعد في حملته الانتخابية أن يغلق المعتقل، لم يستطع إغلاقه، وبقي ينتظر بدوره ظروفاً جديدة تساعده على تنفيذ وعده، حتى صار المعتقل وكأنه دولة أخرى بقوانين خاصة بها، لا يقدر عليها أحد، ولغز محيّر، وواقع قائم لا يستطيع رئيس الولايات المتحدة تغييره، لأن ذلك يحتاج لموافقة الكونغرس والرئيس معاً.

اتخذ الكونغرس الأميركي قبل عدة أسابيع قراراً غريباً (وما أكثر قراراته الغريبة) ويقضي هذا القرار بالموافقة على موازنة وزارة الدفاع، ولكنه ربط هذه الموافقة بعدم اطلاق سراح أي معتقل من سجن (غوانتانامو) وعدم دفع أي مبلغ لنقل أي معتقل إلى بلده، ولأن الرئيس بحاجة لموازنة وزارة الدفاع فلم يستطع استخدام حق (الفيتو) ضد القرارات المتعلقة بالمعتقلين، باعتبار أن (الفيتو) ضدها سيكون بالضرورة ضد إقرار الموازنة.

ترفض معظم الدول التي يحمل المعتقلون جنسيتها استقبالهم بحجة أنها لا تستطيع (تأهيلهم) أو أن عودتهم ستحرك عمليات إرهابية في بلدانها، كما وترفض أطراف ثالثة استقبال هؤلاء البؤساء، وفي ضوء ذلك عليهم البقاء في معتقل (غوانتانامو) لا معلقين ولا مطلقين، لا متهمين ولا محكومين ولا أبرياء، وهكذا أمضى بعضهم عدة سنوات على هذا المنوال دون محاكمة، بانتظار لاشيء، ودون ضوء لا في نهاية النفق ولا في وسطه.

من أكبر التهم التي توجهها الإدارة الأميركية للأنظمة الشمولية والديكتاتورية في البلدان النامية، أن هذه البلدان تنتهك حقوق الإنسان، وتعتقل مواطنيها دون محاكمة، عدة سنوات، وتطالب الإدارة الأميركية هذه الأنظمة بإلحاح الامتثال للقانون الدولي وللشرعية، واحترام شرعة حقوق الإنسان، والعهد الدولي لحقوق الإنسان، وتهددها بإحالتها لمحكمة العدل الدولية إن لم تمتثل، وها هي نفسها لا تحترم هذه القوانين ولا تأخذ الشرعة الدولية باعتبارها، دون أن يرف لها جفن، أو تحرك عدالتها أو منظمات حقوق الإنسان فيها ساكناً، وكأنه يحق للإدارة الأميركية ما لا يحق لغيرها، وتستمر إداراتها المتعاقبة على التشدق بحقوق الإنسان والتهديد بها.

إن معتقل (غوانتانامو) هو لطخة عار في جبين الإنسانية، وفي جبين الولايات المتحدة خاصة، ولا يغير من هذه الصفة أن نزلاءه متهمين بالإرهاب أو محاربين ضد الجيش الأميركي، وعلى كل حال يدل معتقل غوانتانامو والظروف المحيطة به والقوانين والإجراءات العسكرية التي تسيره، على أكذوبة دفاع الولايات المتحدة وحتى الدول الأوروبية عن حقوق الإنسان، وعلى نسبية هذه الحقوق، فالقضية بالتالي هي مصالح الدول والمجتمعات لا الثوابت الأخلاقية والقانونية الإنسانية أو مقتضيات الشرعة الدولية والقانون الدولي.