على امتداد الأسبوع الماضي تصاعدت الأحداث العسكرية والسياسة والتحركات العربية والدولية للبحث عن مخارج للأزمات المتفجرة والتوترات المتصاعدة في المنطقة العربية وبالتحديد في سوريا وفلسطين.

ومن القاهرة، حيث مقر الجامعة العربية بدأت اللقاءات والاجتماعات، مروراً بدمشق، حيث ساحة الأزمة الدامية التي تشغل العرب والعالم، ونهاية بنيويورك، حيث مقر مجلس الأمن الدولي الذي شهد سجالاً بين واشنطن وموسكو حول سوريا، فبينما حبذت هيلاري قراراً دولياً بالحل العسكري، حذر لافروف من التلاعب بالقرارات الدولية في الأزمة السورية مثلما جرى في الأزمة الليبية بما أدى إلى كارثة.

ففي يوم الجمعة الماضي، وعلى وقع بداية الغارات العدوانية لإسرائيل على قطاع غزة، متوهمة انشغال مصر وسوريا بالأوضاع الداخلية، والتي تواصلت لأيام مع رد فصائل المقاومة بعشرات الصواريخ على المستوطنات الصهيونية بما أدى إلى استشهاد وإصابة عشرات الفلسطينيين دون ردع دولي، مما أحدث غضباً شعبياً عربياً دفع البرلمان المصري لإصدار بيان شديد اللهجة مديناً للعدوان ومندداً بالانحياز الأميركي لإسرائيل، ومطالباً بطرد السفير الإسرائيلي من القاهرة التي تحركت فوراً لوقف العدوان.

وفيما اختتم المبعوث الأممي كوفي عنان لقاءاته ومشاوراته في القاهرة متجهاً إلى دمشق يوم السبت لبدء مهمته الصعبة أو الأشبه بالمستحيلة لوقف الاقتتال وتوفير المعونات الإنسانية والسعي لجمع الأطراف لحوار وطني يفضي إلى حل سياسي، على وقع أنباء حسم الجيش السوري للوضع في حمص بالسيطرة على "بابا عمرو " و"ادلب"، بما يعكس تغييراً في الموازين السورية والإقليمية والدولية يجعل التدخل العسكري على الطريقة الليبية مستبعداً، ويجعل الحل السياسي هو الممكن الوحيد.

بحث وزراء الخارجية العرب بالقاهرة في اليوم نفسه برئاسة نائب رئيس الوزراء الكويتي وزير الخارجية الشيخ صباح الصباح، بعد انتهاء الرئاسة القطرية، تطورات قضايا العمل العربي المشترك وأهمها الأوضاع المتفجرة في الأراضي الفلسطينية، والمتوترة في سوريا، وترتيبات عقد القمة العربية الثالثة والعشرين نهاية الشهر الحالي في بغداد.

وبحضور وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، تم في جلسة خاصة بحث تطورات الأوضاع في سوريا والاستماع إلى الرؤية الروسية للخروج من الأزمة بحلول سلمية تتجنب خطر التدخل العسكري الخارجي بما يحقق الإصلاح الديمقراطي ويحفظ وحدة وسيادة سوريا، مثلما استمع الوزير الروسي للرؤية العربية لحل الأزمة سلمياً في إطار المبادرة العربية المقترحة لتحقق تطلعات الشعب السوري.

وقد توصل الجانبان العربي والروسي إلى تصور مشترك للحل من خمس نقاط تؤكد على: «وقف العنف من أي مصدر كان، وإنشاء آلية رقابة محايدة، واستبعاد التدخل الخارجي، مع إتاحة المساعدات الإنسانية لجميع السوريين، والدعم الكامل لمهمة كوفي عنان استناداً الى المرجعيات الأممية و العربية»، وهو ما اعتبر تقارباً بين الموقف الروسي والموقف العربي.

ومع الإعلان عن ذلك تباينت توقعات المراقبين والأطراف السورية والعربية والدولية بين التفاؤل والتشاؤم، وطرحت العديد من التساؤلات حول دلالة تعيين عنان لهذه المهمة، وهل هي محاولة لصعود أميركي على السلم العربي، أم هو هبوط أميركي على السلم الروسي؟ وحول إمكانية نجاح عنان في تلك المهمة الصعبة رغم الدعم الذي يحظى به دولياً وعربياً؟

لكنه بدا محايداً وواعياً، فحينما رأى عنان أن عسكرة الانتفاضة وتسليحها، يعقّدان المسألة السورية، وحينما دعا طرفي الأزمة إلى وضع السلاح جانباً، كان ذلك إقراراً بوجود فريقين مسلحين مقتتلين، وحينما سعى إلى "تسوية سياسية سورية عبر الحوار " كحل الوحيد للأزمة، كان ذلك إعلاناً باستبعاد التدخل العسكري، ورفضاً لتسليح المعارضة.

وبينما رحبت القيادة السورية المتماسكة بالحوار السياسي، انقسمت المعارضة المنقسمة حول رفض دعوة الحوار، فجاء ذلك خصماً من رصيد المعارضة وإضافة لرصيد النظام، في ظل المطالب المتعارضة لأطراف دولية وعربية وسورية بتسليح المعارضة السورية وفتح ممرات آمنة للمنظمات الإنسانية، ورفض أطراف دولية وعربية وسورية لتلك المطالب لمخاطرها باتجاه الحرب الأهلية أو لمساسها بالسيادة السورية ولعدم واقعيتها.

لقد بدا عنان الحائز على نوبل للسلام قارئاً لملف الأزمة وأبعادها، متفائلاً وواقعياً في إمكانية حلها، وربما كان متطلعاً للحصول على نوبل ثانية من سوريا. فجاءت تصريحاته للصحافيين في القاهرة سواء مع نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية أو مع محمد كامل عمرو وزير الخارجية المصرية واضحة، حين طالب المعارضة السورية أن «تأتي بجميع أطيافها للبحث عن حل سياسي بناء لا عسكري مدمر"، وهو ما بدا مفاجئاً لمن أوفدوه من نيويورك أو لمن استقبلوه في القاهرة!

وفيما حذّر الأمين العام للجامعة العربية من أي عمل عسكري ضد سوريا، مؤكداً «أن السيناريو الليبي غير مطروح على الإطلاق»، حذر المبعوث الأممي، من خطورة اللجوء إلى الخيار العسكري الدولي لأنه سيصعب الأمور وسيفاقم الوضع إلى الأسوأ، كما سبق وجرّبنا"، محذراً من "استخدام دواء أسوأ من الداء»، ومن أية «حسابات خاطئة» بتداعياتها السلبية على المنطقة بأسرها.

أكد وزير الخارجية المصري الموقف المتميز للقاهرة لحل الأزمة، الذي يركز على الوقف الفوري للعنف في سوريا من الطرفين، وبدء الحوار السياسي، ورفض التدخل الأجنبي، ورفض تسليح المعارضة «محذراً من ضرر هائل سيلحق بالمنطقة، إذا ما تحول الوضع إلى حرب أهلية، مؤكداً أن انفجار الموقف لن يكون داخلياً ولن تقتصر آثاره على سوريا فقط وإنما ستمتد إلى المنطقة بأسرها».

وبهذه الكلمات الواضحة لعنان في القاهرة بدا الدبلوماسي المخضرم أقرب إلى الرؤى العربية الروسية منه إلى الرؤية الأميركية العربية. فكانت أولى كلماته في دمشق عند لقائه الأول مع الرئيس السوري بشار الأسد، كانت عاكسة للحكمة وللدبلوماسية معاً حين قال له: هناك مثل إفريقي يقول: "إذا لم تستطع تغيير اتجاه الريح عليك أن تغير اتجاه الشراع".

ترى ماذا يتوقع أن يتغير في سوريا لتنجو السفينة، اتجاه الريح أم اتجاه الشراع؟

لننتظر ونرى بعد الرد السوري.