محاور عديدة لا يمكن التغاضي عنها أو التقليل من أهميتها تطرح نفسها بقوة عند وضع التصورات حول مستقبل العراق وتقويم الفرص المتاحة له للنهوض بعد عقود من الحروب والحصار والاحتلال. ولعل من المناسب في هذا السياق طرح عدد من التساؤلات الجوهرية تمهد الطريق لمقاربة هذا الموضوع الذي أصبح مقلقاً في أوساط واسعة من الشعب العراقي. فهل يعني الانسحاب الأميركي العسكري من العراق تخلي الولايات المتحدة عن المكاسب التي حققتها من غزوها للعراق؟ وهل يعني أن العراق قد حصل على الاستقلال الناجز؟ وهل يعني أن العراق في طريقه للتعافي من الأزمات التي ورثها عن النظام السابق والأزمات المضافة التي أتت مع الاحتلال؟ وهل يعني أن أمام العراق، محلياً وإقليمياً، فرصاً حقيقية للنهوض؟

وضع انسحاب القوات الأميركية من العراق نهاية ديسمبر المنصرم الكتل المشاركة في العملية السياسية أمام طور جديد فيه الكثير من التحديات محلياً وإقليمياً. فعلى المستوى المحلي على هؤلاء إثبات أهليتهم لإنجاز مَهمة استقلال القرار العراقي وتطوير مؤسسات الدولة وإيداعها في رعاية قيادات تتناغم مع ذلك، والعمل على إزالة ما خلفته عقود من الحكم الشمولي وما يقرب من عقد من الاحتلال من سلبيات خلقت الكثير من التشوهات في الحياة العامة. أما على المستوى الإقليمي فأمامهم مَهمة إعادة العراق إلى الوضع الطبيعي الذي يستحقه في معادلات التوازن السياسية في منطقة الشرق الأوسط بحكم موقعه الجغرافي وكثافته السكانية وتأريخه وقوة اقتصاده. ولا شك أن المَهمة الثانية تتحقق فقط في حالة النجاح في تحقيق المَهمة الأولى.

والحقيقة أن الحكم على مدى قدرة الكتل السياسية على مقاربة هذين التحديين يعتمد إلى حد كبير على مدى استيعابها وتعاملها مع الطور الجديد الذي ترسم ملامحه: العلاقات الأميركية ــ العراقية أولاً، والعلاقات العراقية مع الدول الإقليمية ثانياً، والتوازنات السياسية داخل العملية السياسية أخيراً.

ولعل من واجب الكتل السياسية على مختلف توجهاتها، المنخرطة في العملية السياسية أو المعارضة لها، أن تعمل في هذه المرحلة الحرجة، من منطلق انتمائها للعراق، على تناسي آلام الماضي وتخطي جراح الحاضر والتحلي بروح إيجابية، فالعراق يستحق أن يبذل له كل ما في قدرة هؤلاء. فمع توافر النوايا الحسنة لإعادة بناء عراق لكل أبنائه هناك فرص لتحقيق ذلك وهناك في الوقت نفسه إعاقات جدية تحول دون ذلك. الاستقرار السياسي وثروات العراق الكبيرة والكفاءات البشرية المؤهلة هي الضمان للنجاح، مقابل اللا استقرار والفساد المالي والإداري والقيادات المعوقة التي تقف في وجه ذلك.

إلا أن عوامل الإعاقة قد طفت على السطح فوراً مع انسحاب آخر جندي أميركي، حيث تردى الأمن بصورة ملفتة للنظر من جهة وأذكيت الصراعات الداخلية إلى درجة غير مسبوقة حين دعي نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي منتصف ديسمبر المنصرم لدخول قفص الاتهام بالمادة 4 إرهاب في سابقة يندر أن تحدث في أية دولة، من جهة أخرى. ولا تزال الكتل السياسية تتخبط في دوامة الفشل في منع الأوضاع من التدهور إلى حالة يصعب السيطرة عليها، إذ لا اتفاق على صيغة لعقد المؤتمر الوطني الذي دعا إليه رئيس الجمهورية لتنقية أجواء العملية السياسية منذ أربعة شهور. فالعراق يمر في أخطر مرحلة في تأريخه حيث أصبحت التسقيطات السياسية سمة من سمات هذه المرحلة بكل ما لذلك من تداعيات قد لا يستثنى منها أحد. التوجس والحذر وتسقط أخطاء الآخرين والعمل على فضحها وتضخيمها إعلامياً هو الذي يسود أجواء العملية السياسية، ولا يقتصر ذلك بين الائتلافات المتنافسة على السلطة فحسب بل ضمن الائتلافات نفسها.

الملامح العامة للخارطة السياسية العراقية لم يطرأ عليها تغيير يذكر منذ مجيء الحكومة الانتقالية برئاسة الجعفري عام 2005 في أول انتخابات برلمانية عقب سقوط النظام السابق. فقد بقيت الاستقطابات والتنافرات والتشنجات على حالها رغم أنها مرت بمراحل عديدة ابتداءً من الانتخابات الأولى مروراً في الانتخابات الثانية ووصولاً إلى الانتخابات الثالثة والأخيرة. ومع أن الائتلافات التي خاضت تلك الانتخابات تحدثت مع الناخب بمعايير الوطنية إلا أن تشكيلاتها تناقض ذلك، فهي في أحسن الحالات تجمعات انتخابية لا تجمعها أيديولوجيات متقاربة أو برامج عمل متشابهة وقد نجحت إلى حد كبير في قيادة الاصطفافات العرقية والمذهبية وذلك لضعف أو غياب المشروع الوطني في أذهان العديد من قياداتها.

قد لا نجانب الحقيقة حين ندعي أن اللبنة الأولى في صناعة الربيع العربي قد وضعت في العراق، فالغزو الأميركي كان أول تسويق لأطروحات الولايات المتحدة في الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان كشعارات جذابة لتنفيذ إستراتيجيتها في إعادة بناء منطقة الشرق الأوسط على أسس جديدة تتماهى من خلالها سياسات الأنظمة الحاكمة مع المصالح والرؤى الأميركية في حقبة ما بعد الحرب الباردة. وقد دفعت الولايات المتحدة ثمناً باهظاً لتحقيق ذلك، الأكبر منذ الحرب الفيتنامية، مما يجعل من المستبعد جداً أن تتخلى عن وضعها المتميز في العراق، فالعلاقات العراقية الأميركية ستكون من الثوابت في المرحلة المقبلة. ورغم عدم التكافؤ في هذه العلاقة إلا أنها لن تكون عامل إعاقة أمام نهوض العراق في المرحلة المقبلة.

من جانب آخر يتمتع معظم قادة الكتل السياسية بعلاقات قوية وربما حميمية مع بعض دول الجوار التي يجدون فيها مصدراً للدعم المالي أو السياسي أو ملجأ لإيوائهم عند الضرورة. إلا أن هذه العلاقات لم توظف، كما شهدنا حتى الآن، لصالح العراق بل كانت ولا تزال مدخلاً لهذه الدول في الشأن العراقي الداخلي، فلم يعد الدور الذي تلعبه دول الجوار في الشأن العراقي خافياً على أحد، وهو على أية حال دور غير إيجابي.

من المؤسف حقاً أن نرى ان عوامل الإعاقة التي تحد من قدرات العراق على النهوض لا تزال فاعلة بشكل مؤثر، ومن المؤسف كذلك أن نرى انه على الرغم من فشل معظم القيادات التي تتصدر العملية السياسية في أدائها والإيفاء بوعودها، فشل الشارع العراقي هو الآخر في صناعة قيادات جديدة يمكن أن تحظى بدعم الناخب في مؤشر جدي على أن الواقع العراقي الحالي مرشح للاستمرار لسنوات أخرى مقبلة.