تصنف اليابان بين قلة من الدول في العالم المعرضة مناطقها للزلازل في أية لحظة، فهي تقع على خط الزلازل الأول في العالم، والنتائج المترتبة عليه هي الأكثر تدميرا.

لذلك وصف الزلزال الكبير الذي ضرب اليابان في 11 مارس/ آذار 2011، بالكارثة الكبيرة التي حلت بالشعب الياباني، وأثبتت أن غضب الطبيعة تصعب مواجهته، رغم كل التقنيات الحديثة المعتمدة في الوقاية. فشكل نقطة تحول أساسية في تاريخ اليابان المعاصر، توازي هزيمتها عام 1945 بعد تعرضها لقنبلتين نوويتين ألقاهما سلاح الجو الأميركي.

أقام بعض المحللين السياسيين نوعا من المقارنة بين الكارثة التي حلت باليابان، وتفجيرات نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر/ أيلول 2011 بالنسبة للأميركيين. ولعل السبب الأبرز في فداحتها، يعود إلى بناء 57 مفاعلا نوويا لتوليد الطاقة. ونالت منطقة فوكوشيما نسبة كبيرة من نتائجها المدمرة، بعد تسرب الإشعاعات النووية من ثلاثة مفاعلات فيها.

خلال تاريخها المعاصر تعرضت اليابان لزلازل كثيرة، أبرزها الزلزال الكبير الذي ضرب مدينة طوكيو عام 1923 وأدى إلى دمار اقتصادي هائل، وهجرة يابانية كثيفة إلى أميركا اللاتينية، أنتجت تجمعا يابانيا في البرازيل تجاوز المليون ونصف المليون برازيلي من اصل ياباني. ثم تلقت اليابان أول قنبلتين نوويتين أميركيتين عام 1945، تسببتا في قتل أو تشويه أكثر من ثلاثمائة ألف ياباني، بالإضافة إلى خسائر هائلة نجمت عن القصف الأميركي لإجبار اليابان على الاستسلام في نهاية الحرب العالمية الثانية.

ثم الزلزال المدمر الذي ضرب منطقة كوبيه عام 1995، وذهب ضحيته أكثر من ستة آلاف قتيل وآلاف الجرحى.

بيد أن زلزال 11 آذار 2011 وما أعقبه من تسونامي الأمواج العاتية التي تجاوز ارتفاعها الأربعة عشر مترا، وتسرب الإشعاعات النووية من مفاعلات فوكوشيما، أرعب اليابان والعالم كله من هول المأساة. فقد بلغ عدد الضحايا والمفقودين أكثر من ثلاثة وعشرين ألفا، إلى جانب أكثر من مائة ألف مشرد، وقدرت الخسائر المادية بأكثر من ثلاثمائة مليار دولار لإعادة الإعمار في المناطق المنكوبة. وباتت شعوب العالم تعيش حالة خوف حقيقي من النتائج المرتقبة للإشعاعات النووية. ومع أن حكومة اليابان سارعت إلى مد يد العون للمنكوبين، فقد تعرضت لانتقادات حادة من جانب المعارضة ومن داخل الحزب الديمقراطي الحاكم نفسه، بسبب التدابير البطيئة في مواجهة الكارثة.

الدروس المستفادة من هذه الكارثة على المستويين الياباني والعالمي كثيرة، لعل أبرزها:

1- رغم الوجه المأساوي لهذا الحدث الكبير، أظهر الشعب الياباني تضامنا قل نظيره في الأزمات الحادة. فتاريخ اليابان حافل بالأزمات الطبيعية التي واجهها اليابانيون بالإصرار على البقاء في أرضهم والتغلب على كوارث الطبيعة. وتجلت العادات والتقاليد اليابانية الرائعة في أسمى معانيها، فنال الشعب الياباني إعجاب العالم كله واحترامه لسلوكيات هذا الشعب المشبعة بالقيم الإنسانية والخلقية.

2- رغم الأزمة الكبيرة التي اجتاحت اليابان بجميع مناطقها، صمد الاقتصاد الياباني، ولم تظهر انهيارات كبيرة في المؤسسات المالية والاقتصادية والصناعية فيه، وما زال الين الياباني يتمتع بموقع متقدم في التداول بين العملات العالمية.

3- رغم الانتقادات الكثيرة، نجحت الحكومة اليابانية في اتخاذ تدابير سريعة لحماية الشعب الياباني أثناء الأزمة وبعدها، وتنوير الرأي العام المحلي والدولي تدريجيا بحقيقة ما جرى، وتحفيز الاستعداد النفسي لدى اليابانيين لمواجهة الكارثة بالتضامن الجامع بين مختلف فئات الشعب الياباني وفي جميع المناطق.

4- التخطيط العلمي الدقيق، لحماية الشعب الياباني في المستقبل من الاعتماد المفرط على التكنولوجيا المتطورة جدا لإنتاج الطاقة، دون النظر إلى جغرافية اليابان وموقعها على خط الزلازل الأول في العالم.

5- طرح زلزال اليابان الكبير مسألة توليد الطاقة من المفاعلات النووية على بساط البحث. فالكارثة لن تبقى محصورة ضمن حدود اليابان، بل تتعداها إلى جميع دول العالم التي تستخدم المفاعللات النووية لتوليد الطاقة، مما يستوجب التنبه الشديد لغضب الطبيعة، وضرورة البحث عن سبل آمنة لتوليد الطاقة المتجددة والنظيفة. وعلى منظمة الأمم المتحدة أن تلعب دورا أساسيا في فرض رقابة صارمة على جميع المفاعلات النووية في العالم، ومنع انتشار المزيد منها، وبشكل خاص المفاعلات المعدة لإنتاج أسلحة نووية تهدد السلام العالمي.

نجحت اليابان دوما في تحدي كوارث الطبيعة وتجاوز الأثر السلبي للكوارث الناجمة عنها، وتبنت سياسة براغماتية متحركة لإنقاذ الشعب الياباني. وتحاول الحكومة الحالية توحيد الموقف وبناء التماسك الداخلي لتنفيذ مشاريع إصلاحية، والتعاون بين الحكومة والمعارضة لمواجهة التحديات المصيرية التي تواجه اليابان في المرحلة الراهنة. فأعلنت خطة طوارئ وطنية لتبني حلول عقلانية، تجنب اليابان مخاطر التسرب النووي وتضمن إعادة الإعمار.

فهناك أزمة اقتصادية خطيرة تعصف باليابان، التي تحولت عام 2011 إلى المرتبة الثالثة بدل الثانية في الاقتصاد العالمي، بسبب الانكماش الاقتصادي الناجم عن ارتفاع سعر صرف الين مقارنة بالدولار واليورو، مما يشكل عائقا جديا أمام صادرات اليابان الصناعية والتكنولوجية. وذلك يتطلب بناء الثقة المتبادلة بين الحكومة والمعارضة، على قاعدة التعاون الإيجابي الذي يخدم مصالح اليابان العليا، بمعزل عن الخلافات السياسية ومنع استغلالها داخليا.

تواجه اليابان اليوم تحديات كبيرة بعد الزلزال الكبير وما تولد عنه من تسرب الإشعاع النووي، الذي تحول إلى كارثة عالمية تتطلب إعادة نظر جذرية في سياسة الاعتماد على المفاعلات النووية لتوليد الطاقة الضرورية للعمل والإنتاج. وتحتل اليابان المكانة الأولى بين دول العالم المطالبة بوضع سياسة بديلة للطاقة النووية، وإيجاد تمويل طويل الأمد لمعالجة القضايا الإنسانية، وشؤون الرعاية الاجتماعية للمهجرين من جراء التلوث الإشعاعي، ورعاية عدد كبير من المسنين، والحد من مخاطر الدين العام المتصاعد.

ختاما، بعد عام على زلزال 11 مارس 2011، تواجه اليابان مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية ناجمة عن بطء إعادة إعمار المناطق المنكوبة بالزلزال، وصعوبة مواجهة تسرب الإشعاعات النووية. وهي تتعرض لاختبار دقيق بعد السماح بإعادة تشغيل أي مفاعل نووي جديد، قبل التحقق من شروط الأمان في المفاعلات العاملة في اليابان. وتواجه شركات الكهرباء صعوبة كبيرة في تزويد المناطق اليابانية بالطاقة، بعد توقف العمل في عدد من المفاعلات النووية. لكن اليابان مؤهلة أكثر من سواها لتجاوز مأساة فوكوشيما النووية، بالاعتماد على تفوقها التكنولوجي لإعادة تنشيط اقتصادها على أسس سليمة، تقيم التوازن الدقيق بين زيادة الإنتاج، وحماية الانسان، والحفاظ على روعة الطبيعة.