يعد صراع في إسرائيل بشأن جامعة جديدة، رمزاً كاملاً يصور الانقسامات العميقة هناك، وهو بمثابة خط الصدع الذي يعمق عزلة إسرائيل ويشكّل خطراً مستمراً للعالم.

فقد أعلن مؤخراً مجلس التعليم الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، تحويل كلية محدودة في مستوطنة يهودية إلى جامعة كاملة، الأمر الذي دفع عدة مئات من أساتذة الجامعات الإسرائيلية، بمن فيهم بعض الأكاديميين الأكثر شهرة هناك، لكتابة رسالة غاضبة إلى وزير التربية والتعليم الإسرائيلي، وحثه على إلغاء شهادة هذه الكلية، وهناك احتمال محدود لأن يستمع للشكوى.

الجدل حول مركز جامعة أرييل الجامعي، كما تطلق هذه المدرسة على نفسها، ظل جارياً منذ عدة سنوات، لكنه وصل إلى ذروته الآن. فمع وجود ما يقرب من عشرين ألفاً من السكان، فإن منطقة أرييل هي واحدة من أكبر المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، وهي في الأساس عبارة عن مجتمع سكني بالنسبة لذوي الوظائف الذين يعملون في تل أبيب، التي تبعد عنها بمسافة 25 ميلاً.

 لكن، مثل معظم المستوطنات الأخرى، فإن قادتها أو على الأقل بعض سكانها، هم من اليمينيين المتشددين. وعندما قال الأكاديميون الإسرائيليون إنهم سيقاطعون هذه المدرسة الموجودة في ارييل، بادر رئيس بلدية ارييل المشاكس رون ناخمان، إلى الرد بأنه سيتعامل مع ذلك من خلال بناء المزيد من الوحدات السكنية الاستيطانية.

وبحسب الوضع الراهن فإن حركة «السلام الآن»، وهي جماعة يسارية إسرائيلية، نشرت تقريراً يظهر أن عدد المنازل الاستيطانية في الضفة الغربية، زاد بنسبة لا تقل عن 20% خلال العام الماضي، حتى أن عدد المستوطنين اقترب الآن من 350 ألف شخص.

وفي تصريحات تردد أصداء ما قاله الوزراء الذين سبقوه، حذر وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا بشدة، من أن إسرائيل يجب أن تواصل المضي في «السلام الشامل في الشرق الأوسط»، ليس فقط من أجل إسرائيل نفسها، ولكن أيضاً من أجل الولايات المتحدة والعالم بأسره.

وعلى مدار سنوات حتى الآن، أعرب المتشددون العرب عن مظلمتهم إزاء الدعم الأميركي غير المحدود لإسرائيل، بغض النظر عن الطريقة التي تتعامل بها مع الفلسطينيين، أو عدد المستوطنات التي تقوم ببنائها. والكثيرون في العالم العربي جاءت ردود أفعالهم في شكل غضب حقيقي، عندما وعد الرئيس أوباما باستخدام حق النقض ضد المطلب الفلسطيني في الأمم المتحدة بإقامة دولة فلسطينية.

وكان قد تم افتتاح الكلية في ارييل عام 1982 كمجرد فرع من جامعة بار- إيلان في تل أبيب، ولكن في ظل محاولات لا تنتهي من جانب المستوطنين لفرض أمر واقع على الأرض بهدف إعادة تشكيل الضفة الغربية كجزء من إسرائيل، فقد سارعوا إلى تطبيق فكرة تحويل فرع كليتهم الصغيرة، إلى أول جامعة إسرائيلية في الضفة الغربية، وقطعوا ارتباطهم بجامعة بار- إيلان في عام 2004 وبدأوا سعيهم. وفي عام 2007، أعلنت الكلية تحويل نفسها إلى جامعة، ولكن مجلس التعليم العالي في إسرائيل رفض الاعتراف بهذا التغيير. وأصدر الأمر لأرييل بـ«التوقف فوراً» عن استخدام اسم جامعة. من جانبه، ندد يارون ازراحي، وهو أستاذ بارز في الجامعة العبرية، بما وصفه بـ «إضفاء الطابع الأكاديمي على الاحتلال».

وعندما قامت الكلية بتغيير اسمها رسمياً إلى مركز أرييل الجامعي ، وصف وزير العدل الإسرائيلي هذا الإجراء بأنه غير قانوني. لكن المستوطنين كانوا يعرفون أنهم مضطرون إلى الانتظار. وامتداداً لذلك، حاولت الكلية خوض مسابقة في الطاقة الشمسية في مدريد مع عشرين جامعة مشاركة، وقد تم استبعادها لأن أرييل تقع في الأراضي المحتلة.

ولكن في عام 2009، تولى رئاسة الوزراء الإسرائيلية بنيامين نتانياهو من حزب الليكود اليميني، وقام بتعيين يميني آخر وزيراً للتعليم، وهو جدعون ساعر. كما أصبح ساعر أيضاً رئيساً لمجلس التعليم العالي، ما أعطى لأرييل حليفاً قوياً.

وجاء الإنجاز الحقيقي من مكان أكثر غرابة، فقد أعطى وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، الذي كان في السابق عضواً في حزب يساري، موافقته الرسمية على إنشاء جامعة ارييل. ونظراً لأن الجيش الإسرائيلي يسيطر على الضفة الغربية، فإن مباركة باراك تشكل ثقلاً كبيراً. وقد أثبت باراك، الذي شغل منصب رئيس الوزراء من حزب العمل قبل عقد من الزمان، أنه سياسي مخادع منذ ذلك الحين. وتكمن المشكلة الآن، في أنه لا أحد يعرف من الذي لديه السلطة حقاً في القيام بهذا الإعلان غير المسبوق.

منذ وقت ليس ببعيد، حضر رونين كوهين، الأستاذ من ارييل، في أحد المؤتمرات الذي عقد في فندق «دبل» في سانتا مونيكا في ولاية كاليفورنيا الأميركية، ولكن بعد ذلك أشار أحد الأساتذة من بريطانيا إلى انتمائه المؤسسي.

وقد أثارت هذه الواقعة على الفور ردود أفعال غاضبة، حيث بادر أكاديميون بتسجيل اعتراضاتهم في رسالة إلى القائمين على المؤتمر، معتبرين أن كلية ارييل تنتهك اتفاقية جنيف الرابعة، التي تنص على أنه لا يجوز لقوة احتلال أن تسكن الأراضي التي تحتلها.

وقرر القائمون على المؤتمر أنهم لا يريدون أن يكونوا طرفاً في هذا النقاش، ولكن عندما ظهر كوهين على خشبة المسرح ضمن لجنة المتحدثين في المؤتمر، التي كان يفترض أن تشمل ثلاثة أساتذة آخرين، ظهر وحده دون مشاركة أحد.