كلما تعالت الأصوات القادمة من الغرب، داعية إلى استخدام القوة لنشر الديمقراطية في دول الشرق، وضعنا أيدينا على قلوبنا فزعاً من هذه الدعوات، وخوفاً من الديمقراطية والحرية التي سيجلبها لنا الغرب معه، إذا ما دكت قواته معاقل الديكتاتوريات البغيضة وأحالتها إلى ركام، لتقيم على أنقضاها أنظمة حرة تنعم بالديمقراطية التي بشر بها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، من فوق حاملة الطائرات الأميركية "إبراهام لنكولن" في الأول من شهر مايو عام 2003.

وهو يعلن انتصار الولايات المتحدة وحلفائها في حرب العراق قائلًا: "في هذه المعركة، حاربنا من أجل الحرية، ومن أجل السلام في العالم"، مؤكداً للجنود الذين احتشدوا على ظهر حاملة الطائرات العائدة من العراق، أن "الانتقال من ديكتاتورية إلى ديمقراطية سيستغرق وقتاً طويلًا، لكن ذلك يستحق بذل كل الجهود"، مضيفاً بلغة أدبية يبدو أنه استوحاها من روايات مواطنه الكاتب الشهير "إرنست همنغواي"، صاحب رواية "الشيخ والبحر"، الذي شارك في الحرب العالمية الثانية: "من خلال صور التماثيل المحطمة، شهدنا انبلاج فجر جديد".

منذ ذلك الخطاب ونحن نترقب تجليات الفجر الجديد، الذي شهد الرئيس جورج بوش الابن انبلاجه على إيقاع صور التماثيل وهي تتهاوى، ومنذ ذلك اليوم ونحن ننتظر تماثيل الحرية التي سينصبها الرئيس جورج بوش الابن مكان التماثيل المحطمة، ومنذ ذلك التاريخ ونحن نشتاق نسائم الحرية التي بشرونا بها، وألحان السلام الذي وعدونا به، ومنذ ذلك الوعد ونحن نقف على رصيف محطة الزمن ننتظر قطار الحرية، ونحسب الوقت الذي سوف يستغرقه الانتقال من "الديكتاتورية" إلى "الديمقراطية"، ونتابع الجهود التي يبذلها المحررون من أجل تحقيق هذا الحلم للشعوب التي جاؤوا كي يجلبوا لها السلام الذي حرمت منه طويلًا.

تسع سنوات مضت على انبلاج الفجر الجديد وتحطم التماثيل، كل فجر من أيامها يحمل لنا مزيداً من القتل والدماء والدمار الذي أتى به السلام والحرية التي حاربت من أجلها الولايات المتحدة وحلفاؤها، تحطمت خلالها تماثيل وأصنام كانت رموزاً لمرحلة مظلمة، وقامت مكانها تماثيل وأصنام تنبئ عن مرحلة أكثر إظلاماً. كنا نتصور أننا الوحيدون الذين يهدرون الوقت وهم واقفون في محطات الزمن كالأصنام لا يتحركون، فإذا بالذين حاربوا من أجل الحرية والسلام ونقلنا من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، أكثر إهداراً للوقت، وأقل حرصاً عليه منا. هكذا مرت السنوات التسع، منذ انبلاج الفجر الجديد الذي عاشه جورج بوش الابن على وقع تحطم التماثيل القديمة وتهاويها.

قبل أيام، دعا السيناتور الأميركي "جون ماكين" إلى شن هجمات جوية تقودها الولايات المتحدة الأميركية على القوات الحكومية السورية، وقال في كلمة له أمام "الكونغرس" إن تقديم مساعدات عسكرية للجيش السوري الحر وجماعات المعارضة الأخرى أمر ضروري، لكنها قد لا تكون وحدها كافية لوقف سفك الدماء وإنقاذ الأبرياء. الشيء الواقعي الوحيد، كما رأى، هو تنفيذ ضربات جوية من قوى خارجية، لذلك يتعين على الولايات المتحدة أن تقود جهداً دولياً لحماية المراكز السكانية في سوريا، من خلال غارات جوية على قوات الأسد.

كلنا نعلم أن الحكم القائم في سوريا سلطوي ديكتاتوري، يتحكم في مفاصل الدولة ولا يسمح لأحد بالاقتراب من الكرسي الذي يحكم القبضة عليه منذ عقود أربعة، وكلنا نعلم أنه يحمل إرثاً دموياً في التعامل مع معارضيه وكل من يحاول الخروج عليه، وهذا ديدن كل أنظمة الحكم الديكتاتورية، خاصة ما يأتي منها عبر انقلابات عسكرية، وكلنا نتألم لما يحدث من مجازر في القطر السوري الشقيق، ونعرف أن ما نشاهده لا يمثل سوى ما يظهر على السطح عندما تغلي القِدْر، وندرك جيداً أن قِدْر الشعب السوري قد تجاوزت مرحلة الغليان بكثير، لذلك لا تدهشنا هبة الشعب السوري في هذا التوقيت قدر ما تدهشنا هبة الغرب التي تأخرت كثيراً، ليس تجاه ما يحدث في سوريا فقط، وإنما تجاه ما حدث في دول الربيع العربي على مدى العام الماضي كله.

فبعد أن كان الغرب هو الداعم الأول للأنظمة التي ثارت عليها شعوبها، وبعد أن كان هو الحليف الأوفى لها، أصبح هذا الغرب بين عشية وضحاها هو الثائر الأكبر عليها، والنصير الأقرب لمعارضيها، والمبشر الأول بالديمقراطية والحرية في بلدانها.

نحن ندرك أنه لا أخلاق في السياسة، وأن المصالح وحدها هي صاحبة الكلمة العليا في توجيه سياسات الدول الكبرى، لذلك تستفزنا دعوات الغرب إلى تغيير الأنظمة بالقوة وتوجيه الضربات إليها، أكثر مما تستفزنا مقاومة الطغاة لشعوبهم الثائرة عليهم، لأن التغيير الذي يأتي من الخارج يرتهن شعوب الدول التي يحدث فيها للجهة التي جاء منها، وما حدث على مدى السنوات التسع الماضية في العراق الذي حررته الولايات المتحدة، يثير ألف علامة استفهام وتعجب، وما نسمعه اليوم من دعوات إلى الفيدرالية في ليبيا التي حررتها ضربات "الناتو"، يثير مخاوفنا أكثر مما كان يفعله الحكم الديكتاوري فيها.

وحده التغيير الذي يأتي من قبل الشعوب نفسها، هو الذي يبعث الطمأنينة في قلوبنا، حتى لو اختلفت هذه الشعوب بعد ذلك على شكل المرحلة المقبلة، فسوف يأتي الوقت الذي تصل فيه إلى الشكل الذي يتوافق عليه الجميع، حتى لو لم يتفقوا في العقائد والأفكار والرؤى.

لذلك نتمنى على الغرباء أن يدعونا وشأننا، فالاختيار بين "جنة الديمقراطية" التي يعدوننا بها و"نار الديكتاتورية" التي يريدون تخليصنا منها، يخلط الأمور ويجعل التفريق بين تلك الجنة وهذه النار أصعب من التفريق بين الليل والنهار، ويذكرنا ببيت شاعرنا الكبير نزار قباني الشهير: "لا توجد منطقة وسطى.. ما بين الجنة والنارِ".