لا شك بأن التغيير صفة ملتصقة بالشباب الذين يحبون التجديد ويتوقون إلى الانعتاق من القيود الثقيلة مهما كان نوعها اجتماعية كانت أم مهنية.

ولكن الشباب في بعض الأحيان لا يدركون عبء هذه الرغبة على المجتمع بأسره. فقد تصبح رغبة التغيير عند الشباب هماً كبيراً يؤرق أصحاب القرار والمسؤولين عن الموارد البشرية في الهيئات والمؤسسات العامة والخاصة خاصة عندما لا يكون ذلك التغيير مخططاً له ولا متوقعاً.

حينها يتحول هذا التغيير إلى هم مجتمعي كبير تنعكس أثاره على العديد من الناس ويصبح قضية وطنية تؤرق المسؤولين عن صناع القرار. ان التغيير المقصود به هنا ليس في رفض القديم والرغبة في التجديد المستمر ولكن التغيير المقصود هنا هو التغيير المهني أو الوظيفي.

فقد عرف عن الشباب رغبتهم المستمرة في تغيير الوظيفة بين الحينة والأخرى بدافع الرغبة في التجديد واكتساب مهارات جديدة أحياناً وبدافع تحسين الراتب أحياناً كثيرة.

وهكذا نجد الكثير من الشباب يتنقلون بين وظيفة وأخرى في زمن قياسي قصير دون أن يحصلوا خلال هذه الفترة على التدريب الكافي أو التأهيل اللازم. هذا الوضع ينعكس سلباً ليس فقط على أولئك الشباب، ولكن على سوق العمل بأسره. فنظرة بسيطة على سوق العمل تكشف لنا بصورة مستمرة تلك الأعداد من الشباب المتنقل بين وظيفة وأخرى بصورة يومية.

ميل الشباب للتغيير لا شك له أسباب كثيرة.

كما أن الشباب ليسوا دوماً هم المسؤول عن هذا القرار المتسرع أو الخاطئ. فهناك أسباب عديدة تدفع الشباب لاتخاذ قرار ترك وظيفته وتوجيه أنظاره نحو وظيفة جديدة حالما سنحت له الفرصة وأحياناً دون أن تسنح ولمجرد أنه واجه ضغوطاً مهنية بسيطة في عمله. فهناك فئة من الشباب تترك عملها حالما لاحت لها في الأفق بوادر متاعب بسيطة فيقدم استقالته من عمله مفضلاً البقاء عاطلاً على أن يبقى على رأس عمله ويتحمل بعضاً من تلك الضغوط.

وهناك فئة لا تتحمل أن تبدأ من أسفل السلم الوظيفي فتترك عملها خاصة إذا ما كان الرئيس في العمل غير مواطن، وهناك أسباب أخرى متعلقة بتدني الرواتب وبسوء الإدارة وسوء استغلال الموارد البشرية المتاحة وأسباب أخرى عديدة ربما تكون بسيطة ولكنها تصبح مهمة وكبيرة في نظر الشباب الذين لا يتحملون الضغوط المهنية فيتركون وظيفتهم بحثاً عن الوظيفة المثالية التي يظلون يحلمون بها. وتبقى قضية الشباب وسوق العمل قضية تؤرق كلا الطرفين: أرباب العمل ومديري الموارد البشرية من ناحية والشباب الباحث دوماً عن فرصة جديدة من ناحية أخرى.

فكلا الطرفين يتأثر بهذا التغير المستمر، وكلاهما يقع أحياناً ضحية لقرار الآخر. فإقناع الشباب بأن البقاء على رأس أعمالهم، على الرغم من الضغوط والمتاعب المهنية، يمنحهم الخبرة والتجربة والتأهيل اللازم صعب للغاية، فهم يعتقدون أن بقاءهم هذا سوف يضيع عليهم فرص عمل جديدة يحلمون بها.

وفي الوقت نفسه فإن إقناع أرباب العمل والمسؤولين عن الموارد البشرية ان الشباب يمتلكون في الكثير من الأحيان الإبداع وبالتالي يستحقون التأهيل والتدريب أيضاً قضية ليست بالسهلة. فهؤلاء يعتقدون ان الموارد البشرية هي استثمار، وبما أن الكثير من الشباب لا يبقون في وظيفتهم فترة كافية فإن كل تدريب وتأهيل هو استثمار ضائع.

وهذه التهمة فيها جانب من الصحة.

فعدد كبير من الشباب، خاصة أيام الطفرة، تركوا أعمالهم في الإدارات الحكومية وانتقلوا إلى شركات ومؤسسات خاصة عرضت عليهم آنذاك وظائف مرموقة وبرواتب خيالية. ولكن ما أن حصلت الأزمة حتى خيروا ما بين الاستقالة أو الإقالة. فاختار عدداً منهم الاستقالة وانضموا إلى لائحة الباحثين عن عمل.

ولم يكن حال الذين قبلوا بالإقالة بأفضل من حال الذين استقالوا، فقد قبلوا بمبالغ تسوية ربما أراحتهم لفترة قبل أن ينضموا إلى زملائهم من المستقيلين الباحثين عن عمل.

هذه القضية على الرغم من أننا لا يمكن تعميمها على كل الشباب إلا أننا نراها واقعاً نسمع عنه كل يوم، وهي أيضاًً قضية مرتبطة بقضايا أخرى مهمة مثل البطالة الشبابية والتوطين والخلل السكاني وغيرها من القضايا الوطنية الكبرى.

فالناظر إلى سوق العمل في الإمارات يرى واقعاً غريباً يتناقض مع الكثير من المسلمات المتعلقة بالتوطين وتأهيل الشباب وخلق جيل ثان من القادة الذي سوف يتسلم مسؤولية صنع القرار مستقبلاً.

فقضية التغيير المستمر لدى الشباب وقضية الخشية من تسرب تلك الموارد البشرية المؤهلة والمدربة عند أرباب تربك سوق العمل وتؤثر على خطط التوطين في الدولة، وهي قضية تؤثر على الجانبين: الشباب وأرباب الأعمال. فالشباب يشكو من أن رؤساءهم في العمل لا يعطونهم فرصة التدريب الكافي أو يفضلون الأجنبي عليهم، والمديرين يشكون من تسرب الشباب بعد التدريب لصالح مؤسسات أخرى منافسة، وهكذا بات سوق العمل المواطن هو الضحية الأولى.

هذا الوضع يخلق قضية جدلية متعلقة بموقف الشباب إجمالًا من سوق العمل وتعاطيهم معه على أساس أنه قضية شخصية عوضاً عن أن يكون قضية عامة. لذا يسيء البعض التعاطي مع هذه القضية بشكل متهور ومتسرع الأمر الذي يدفع ضريبته المجتمع بأسره. إن الشباب هم عماد الوطن وعليهم عبء كبير ألا وهو وضع اللبنات القوية لاقتصاد أكثر قوة وأكثر إنتاجية.

ولذا فإن تسرع البعض وتعاملهم السطحي مع الوظيفة التي يشغلونها وكأنها قضية فردية وليست قضية مجتمعية هو أمر يمس أمن المجتمع ويعرض اقتصادنا وخططنا التنموية للكثير من الارتباك.

فأحد أهم النتائج التي تسفر عن هذا الوضع هو ظهور بطالة شبابية وارتباك في خطط التوطين الأمر الذي يعرض أمن المجتمع ككل للخطر.

إننا بحاجة إلى دراسة علمية جادة توقف هذا النزف أو الهدر في العمالة المواطنة وتبين أوجه الخلل والتقصير.

إن التغيير الذي يجب أن نتوقعه من الشباب هو التغيير الإيجابي الذي يخلق فرص عمل جديدة ويأتي بأفكار خلاقة إبداعية تنعش اقتصادنا وتقويه لا تضعفه. ذلك هو التغيير المنشود.