يعتبر شهر مارس، من الشهور التي تحمل العديد من المعاني، بل لعله يمثل الانتقال من الصقيع الجامد، إلى الدفء، وبروز الورود، سواء تلك التي ظلت خاملة من شدة البرودة، أو تلك التي حفظت في علب لحين الاستخدام، من قبل محبي الحياة والعشاق لجزء من الجمال الطبيعي.
إن للوردة عدة معانٍ، كما لها عدة ألوان، ولكل منهما مغزى يدركه الإنسان، حسب مزاجه وحالته النفسية، وغالباً ما تكون رسالة ذات مدلولات، ولعل أشهرها الحمراء وبعدها البيضاء. ومن أجمل الأفلام العاطفية "الليالي البيضاء"، تلك التي تدخل في عمق الإنسان وعواطفه الجياشة. لكن الإنسان بما امتلكه من علم، قام بالتلاعب بالجينات الأصلية لبعض النباتات والورود.
ومن الوردة، إلى المرأة، هذه المخلوقة التي تساهم في تطور الحياة بشكل من الأشكال، وهي التي يقاس بها تقدم المجتمع أو تخلفه، ومن هنا فإن يوم المرأة العالمي، كان رمزاً من رموز التقدم والمساواة والحرية. كان ذلك في الزمن الجميل، أما اليوم فإن المرأة تعاني من الاضطهاد، وخاصة من قبل من لا يزالون يفكرون بعقلية القرون الوسطى، وهم في تزايد قاتل للمشاعر.
ومن مفارقات الزمن، أن معظم الثورات، سواء ذات الطابع الدموي أو تلك المسالمة، جعلتها في الصفوف الخلفية، بدءاً من جملية بو حيرد، وطفول، وغيرهما كثير، إلا أن مناجلهم جاءت لتحييد المرأة وإعادتها إلى العبودية من جديد.
لقد كانت زوجات العديد ممن يدعون الثورية، خلف الستار الحديدي، اللهم إلا ما ندر، حتى أن أحزاب الإسلام السياسي استغلت أصوات النساء في العملية الانتخابية، وصعدوا السلم السياسي على أكتافهن، سواء في البرلمان أو غيره، وبعد ذلك قالوا إن العمل السياسي خاص للرجال، وإن مكان المرأة هو المنزل، وأن تكون ملبية لحاجات الرجل، وجزءاً من متاعه، أو جزءاً حيا من الديكور.
ولعل التراجع الملحوظ لدور المرأة في الحياة العامة، مؤشر على رفع الراية البيضاء أمام أدوات النفي، أو كما كان يعرف بالدفن (الوأد) وهي طفلة رضيعة. وللأسف الشديد فإن معزوفة اللحن الحزين، هي التي سادت دون توقف، إلا أن هنالك من يقاومن هذا الشلال الهادر، ضد الإرادة الصلبة للمرأة في إثبات الذات، والدفاع عن حقها في الوجود.
ومن خلال متابعة الأنشطة الثقافية والاجتماعية، نادراً ما يصطحب أولئك زوجاتهم أو بناتهم، وأحياناً كثيرة لا يصطحبون حتى أبناءهم الذكور، وكأن لسان حالهم يقول؛ لن نجعلهم يتحملون آلام هذا الطريق ومخاطره! وهذا اتجاه مدمر، ليس على المستوى الفردي فحسب، بل على الجميع.
لقد ذهبت أدراج الرياح، مسيرات المساواة والحرية، وكأنها كانت سرابات صحراوية، وأصبحت المرأة مثل ذلك السراب، ونامت الجمعيات النسائية في الوطن العربي، بشكل عام، عن الدفاع عن حقوقها، إلا أن حالات استثنائية باقية، مثل ذكرى راية الثورة الفرنسية، وحاملة علمها نحو الحرية، تلك المرأة التي لا تزال رمزاً للصمود.
ومع إطلالة شهر مارس، لا يزال الناقوس يدق في أرجاء الوطن أو العالم العربي، فهل ستكون هنالك ردات فعل تعيدها إلى الحياة من جديد، أم أنها لا تزال تعيش في عصر الحريم؟ لقد كان "عصر الحريم" جزءاً من التراث العربي والإسلامي السائد، وهو بحاجة إلى إعادة دراسة على يد علماء موضوعيين متخصصين.
كانت المرأة تحفر الصخر الصلب بأظافرها، وأحياناً بجدائلها، مطالبة بحقوقها وإعادة الاعتبار لإنسانيتها، فهل هنالك اسم شارع أو مكان يحمل اسم امرأة؟ اللهم إلا حي السيدة زينب في مصر!
إن العلم يؤكد وبشكل قاطع، أن المرأة من الناحية العقلية والذهنية لا تختلف عن الرجل، بل تتفوق عليه في بعض الجوانب، لكن آلات الحجب والقمع تقف دون تحقيق تلك المساواة في الواقع، مستخدمة "الأوراق الصفراء" التي تعود إلى عصور قديمة، وبعضها مشكوك في صحته، وربما تكون من إنتاج عقل شرقي أو غربي، داعم للذكورية.
لقد غابت المرأة عن عضوية الكثير من المجالس، أو البرلمانات الخليجية، وغيبت عن جمعيات النفع العام، بعدة طرق، إلا أن المشترك في ذلك كله، هو حب الرجل للسلطة والتفرد باتخاذ ما يراه من قرارات تمس المجتمع، وهذا المجتمع يشمل الجميع رجالا ونساء، دون استثناء.. ولعل دعوات فرض النقاب من جديد، هي وسيلة للحد من دور الرأة ومكانتها، فلا وجه المرأة عورة ولا كفاها عورة، لكنها دعوة للعودة إلى مرحلة من مراحل الانحطاط الحضاري والثقافي.
إن معظم الشعراء وكاتبي الأغاني، وحتى المسلسلات التلفزيونية والأفلام، لا يرون فيها إلا ذلك الجسد الجميل وذاك القوام الممشوق، ولا أحد يقترب من عقلها وفكرها، وكأن ذلك أصبح من المحرمات، كما تلعب الإعلانات التجارية دوراً في استغلال المرأة، وفي هذا المجال فإن للإعلان العالمي دوراً في ترسيخ حصر الاهتمام بالجسد.
يبدو أن التعليم وتطوره، ظل في وادٍ سحيق وبعيداً عن تغيير المنظومة القيمة للمجتمع، ولا يدرك القائمون عليه، سواء بحسن نية أو عن عمد، أن الأوطان تبنى اعتماداً على تضامن المرأة والرجل في دفع عجلة التقدم نحو الأمام، ودون ذلك تعطيل للنصف الأهم في الحياة، وهو المرأة الإنسانة المبدعة.
إن المتاجرين بالدين، وهم كثر في هذه الأيام، يدركون أن تحرر المرأة من العقلية ذات الصلة بالعصور الوسطى، سيؤدي إلى انهيار سلعهم وتجارتهم، التي صممت لوأد المرأة من جديد.